من عبد الناصر للرئيس السيسي.. تاريخ العلاقات المصرية الكينية
تتمتع العلاقات المصرية الكينية بتاريخ طويل من التعاون والدعم المتبادل، يمتد إلى ستينيات القرن الماضي، حين لعبت مصر دورا بارزا في دعم حركات التحرر الأفريقية، وعلى رأسها الحركة الوطنية الكينية في مواجهة الاستعمار البريطاني، قبل أن تتطور العلاقات لاحقا إلى شراكة سياسية واقتصادية واستراتيجية متعددة المجالات.
وقد وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الكينية نيروبي قبل قليل، للمشاركة في أعمال قمة أفريقيا – فرنسا، التي تشهد حضور عدد من القادة والمسؤولين الأفارقة والأوروبيين، لبحث سبل تعزيز التعاون المشترك ودعم جهود التنمية بالقارة الأفريقية.
وتتناول القمة عددًا من الملفات المهمة، من بينها دعم النمو الاقتصادي، والتحول الرقمي، والطاقة، إلى جانب تعزيز الشراكة بين الدول الأفريقية وفرنسا، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتنموية.
وتأتي مشاركة الرئيس السيسي في إطار حرص مصر على تعزيز التنسيق والتعاون مع الدول الأفريقية والشركاء الدوليين، ودعم القضايا المرتبطة بالتنمية والاستقرار داخل القارة.

العلاقات المصرية الكينية
بدأت ملامح التقارب بين القاهرة ونيروبي قبل استقلال كينيا عام 1963، إذ دعمت مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر انتفاضة “ماو ماو” الكينية عبر حملات دبلوماسية وإعلامية مكثفة ضد الاحتلال البريطاني، كما أنشأت إذاعة “صوت أفريقيا” باللغة السواحيلية من القاهرة لدعم نضال الشعب الكيني من أجل الاستقلال، لتصبح أول إذاعة أفريقية ناطقة بالسواحيلية تبث من دولة أفريقية.
كما تحولت قضية “ماو ماو” إلى قضية أفريقية تبنتها القاهرة، التي سعت للإفراج عن الزعيم الكيني جومو كينياتا، واحتضنت عددًا من قادة الحركة الوطنية الكينية، من بينهم أوجينجا أودينجا وتوم مبويا وجوزيف مورومبي، إلى جانب ممثلين عن حزبي “كانو” و”كادو” اللذين افتتحا مكاتب لهما في القاهرة آنذاك.
وعقب استقلال كينيا، أُقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا بين البلدين عام 1964، وافتتحت نيروبي سفارتها في القاهرة، حيث أكد الرئيس جمال عبد الناصر خلال استقباله أول سفير كيني، دعم مصر الكامل لكينيا والدول الأفريقية من أجل تعزيز التنمية والوحدة الأفريقية.
وشهد العام نفسه تعزيزا للتعاون العسكري بين البلدين، بعدما طلب الرئيس الكيني الراحل جومو كينياتا دعم مصر في بناء الجيش الوطني الكيني عقب إنهاء الوجود العسكري البريطاني.
وعلى إثر ذلك، أوفدت القاهرة خبراء عسكريين لتدريب القوات الكينية، كما استقبلت ضباطا كينيين للتدريب في المؤسسات العسكرية المصرية.
وفي عام 1967، أطلق البلدان مشروع “هيدروميت” المشترك لدراسة الموارد المائية والأرصاد الجوية في حوض النيل الاستوائي، والذي شمل إقامة محطات للرصد في بحيرات فيكتوريا وألبرت وكيوغا، بهدف دعم خطط تنمية الموارد المائية ودراسة التوازن المائي لنهر النيل.

كما دعمت كينيا الموقف العربي بعد حرب أكتوبر 1973، وقطعت علاقاتها مع إسرائيل استجابة لقرار صادر عن منظمة الوحدة الأفريقية آنذاك، دعا تل أبيب للانسحاب من الأراضي المحتلة والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.
وشهدت العلاقات المصرية الكينية تطورًا ملحوظا خلال العقود اللاحقة، خاصة بعد انضمام البلدين إلى السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا “الكوميسا”، التي تمثل أهمية استراتيجية لمصر باعتبارها إطارًا للتكامل الاقتصادي مع دول شرق أفريقيا وحوض النيل.
وتعززت العلاقات الثنائية بصورة أكبر بعد عام 2014، عبر سلسلة من الزيارات المتبادلة والاتصالات الرئاسية، ركزت على التعاون الاقتصادي والتجاري، وقضايا الأمن الإقليمي، والتنسيق في ملف مياه النيل وسد النهضة.

وفي فبراير 2017، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي زيارة تاريخية إلى كينيا، هي الأولى لرئيس مصري منذ 33 عامًا، حيث عقد مباحثات موسعة مع الرئيس الكيني أوهورو كينياتا تناولت تعزيز التبادل التجاري، وتطوير الاستثمارات المشتركة، والتنسيق بشأن قضايا القرن الأفريقي والأمن الإقليمي.
واتفق الجانبان خلال الزيارة على رفع حجم التبادل التجاري إلى مليار دولار خلال عامين، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في قطاعات الصحة والزراعة والبنية التحتية والطاقة.
كما شهدت العلاقات تنسيقا مستمرا بشأن ملف سد النهضة الإثيوبي، حيث أكدت كينيا في أكثر من مناسبة دعمها للحوار والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ مصالح جميع الأطراف في حوض النيل.

وفي أكتوبر 2022، أجرى الرئيس السيسي اتصالا هاتفيًا بالرئيس الكيني ويليام روتو لتهنئته بفوزه في الانتخابات الرئاسية، حيث شدد الجانبان على أهمية تعزيز العمل الأفريقي المشترك، وتكثيف التعاون الثنائي في مختلف المجالات، إلى جانب استمرار التنسيق بشأن القضايا الإقليمية وفي مقدمتها ملف سد النهضة.
وعلى مدار السنوات الماضية، توسع التعاون بين القاهرة ونيروبي ليشمل مجالات البيئة، ومواجهة التغير المناخي، والأمن الغذائي، والتدريب وبناء القدرات، فضلاً عن التعاون الأمني والاستخباراتي في مواجهة الإرهاب والتطرف داخل القارة الأفريقية.
وتستند العلاقات المصرية الكينية إلى روابط تاريخية واستراتيجية عميقة، يعززها انتماء البلدين إلى حوض النيل، وحرصهما المشترك على دعم الاستقرار والتنمية والتكامل داخل القارة الأفريقية.



