ويصا: وثيقة الطلاق في التثنية ضمان لكرامة المرأة ومنع استغلالها
قال الخادم الإنجيلي المهندس ديفيد ويصا، الحاصل على ماجستير الدراسات الكتابية، أن الزواج في المفهوم الكتابي ليس مجرد ارتباط اجتماعي، بل هو مؤسسة إلهية مقدسة أسسها الله منذ الخليقة الأولى، تقوم على الشراكة والوحدة والمساواة بين الرجل والمرأة، مشددًا على أن الطلاق لم يكن أبدًا هو التصميم الأصلي لله، بل جاء كاستثناء لمعالجة التشوهات التي أصابت العلاقة الإنسانية بعد السقوط.
وأضاف" ويصا" ، خلال تصريحات إعلامية له ، تناول قضية الطلاق من منظور كتابي ولاهوتي، أن المرجعية الأساسية لفهم الزواج تبدأ من سفر التكوين، خاصة الإصحاح الثاني، الذي وصفه بأنه “الأصحاح التأسيسي للزواج”، حيث استشهد بما ورد فيه عن خلق المرأة وقول آدم: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي»، وهو النص الذي اقتبسه السيد المسيح لاحقًا في إنجيل متى 19، كما استند إليه الرسول بولس في رسالة أفسس 5.
الزواج في الأصل الإلهي: وحدة وشراكة لا تعددية
وأشار إلى أن الكتاب المقدس يقدم الزواج باعتباره علاقة بين رجل واحد وامرأة واحدة، وليس تعددًا أو تعددية في العلاقات، موضحًا أن مفهوم «يصيران جسدًا واحدًا» يؤكد الوحدة الكاملة بين الطرفين.
وأضاف أن الرجل يمارس داخل الأسرة دور القيادة الخادمة، وليس التسلط، بينما تكون المرأة «معينًا نظيرًا»، وهي عبارة لا تعني التبعية بل المساواة في القيمة والدور، لافتًا إلى أن نفس التعبير استُخدم عن الله نفسه بوصفه معينًا لشعبه.
وأكد أن هذا التصميم الإلهي تعرض للتشويه منذ سقوط الإنسان في تكوين 3، ومنذ ذلك الحين أصبحت العلاقات الإنسانية، ومنها الزواج، تعاني اضطرابًا كبيرًا، موضحًا أن الشريعة الإلهية في العهدين القديم والجديد جاءت كمبادرة إلهية لاسترداد الإنسان تدريجيًا نحو الصورة الأصلية التي أرادها الله.
وقال إن بعض الزيجات ما زالت تنجح حين يدرك الطرفان دورهما الحقيقي أمام الله، لكن في أغلب الحالات يحدث الخلل عندما يغيب هذا الإدراك أو يتحمله طرف دون الآخر، وهنا تظهر الأزمات التي قد تصل إلى الطلاق.
الطلاق استثناء لحماية الطرف البريء
وشدد ويصا على أن الطلاق لم يكن هو الأصل، مستشهدًا بقول المسيح: «من البدء لم يكن هكذا»، موضحًا أن السماح به جاء كنوع من التدبير الإلهي لحماية الطرف البريء والمتضرر، وليس باعتباره خيارًا طبيعيًا للحياة الزوجية.
وأضاف أن الهدف من التشريعات الخاصة بالطلاق لم يكن تشجيع الانفصال، بل محاولة الحفاظ على مؤسسة الزواج قدر الإمكان، أو حماية الطرف المظلوم عندما يصبح استمرار العلاقة نوعًا من الظلم المستمر.
العهد القديم لم يهمل المرأة بل سعى لحمايتها
ورفض" ويصا " النظرة الشائعة التي تعتبر أن العهد القديم كان ضد المرأة أو منحازًا بالكامل للرجل، مؤكدًا أن المرأة في زمن العهد القديم كانت بالفعل الطرف الأضعف اجتماعيًا، لكن التشريعات نفسها كانت تحاول حمايتها والحفاظ على كرامتها وحقوقها.
وأوضح أن المشكلة لم تكن في نصوص الشريعة، بل في السياق الحضاري والاجتماعي الذي كانت تعيش فيه الشعوب آنذاك، لافتًا إلى أن كثيرًا من المجتمعات حتى اليوم ما زالت تعاني من صور مشابهة من التهميش والظلم ضد المرأة.
«الطعام والكسوة والمعاشرة» ثلاثية الحقوق الأساسية
وأشار إلى أن سفر الخروج، وتحديدًا الإصحاح 21، وضع ثلاثة حقوق أساسية للزوجة، وهي ما عُرف بـ«الطعام والكسوة والمعاشرة»، موضحًا أن هذه الكلمات لا تُفهم حرفيًا فقط، بل تحمل معاني أوسع.
وأوضح أن «الطعام» يشير إلى الحقوق المادية والالتزام بالإنفاق والرعاية الاقتصادية، بينما تشير «الكسوة» إلى الحماية الجسدية والصحية والنفسية، بما يشمل عدم الإيذاء أو الإهانة أو الحرمان من الاحتياجات الأساسية، أما «المعاشرة» فتعني الرعاية العاطفية والرومانسية والجنسية داخل العلاقة الزوجية.
وأكد أن إخلال الزوج المستمر بأي من هذه الحقوق كان يمنح الزوجة الحق في طلب الطلاق من خلال المحاكم اليهودية، حتى وإن كان الرجل هو من يصدر قرار الطلاق رسميًا.
تشريعات تفصيلية لضبط العلاقة الزوجية
وأضاف أن التقليد اليهودي توسع لاحقًا في شرح هذه الحقوق من خلال كتاب «المشنة»، الذي ضم تنظيمات شبيهة بقوانين الأحوال الشخصية الحالية، حيث جرى تفصيل الواجبات المتبادلة بين الزوجين، سواء من ناحية الرعاية المادية أو الجسدية أو مسؤوليات إدارة البيت ورعاية الأبناء.
وأشار إلى أن الرسول بولس استخدم نفس المفهوم في العهد الجديد عندما قال في كورنثوس الأولى 7: «ليوفِ الرجل المرأة حقها الواجب وكذلك المرأة أيضًا الرجل»، بما يؤكد أن هذه المبادئ ليست غريبة عن الفكر المسيحي الجديد بل امتداد لفهم كتابي متكامل.
وثيقة الطلاق ضمان للحقوق لا أداة للإهانة
وتناول ويصا ما ورد في سفر التثنية الإصحاح 24 بشأن «كتاب الطلاق»، موضحًا أن المقصود به وثيقة رسمية تحفظ حقوق المرأة وتثبت انتهاء العلاقة الزوجية بشكل قانوني واضح.
وأكد أن هذه الوثيقة كانت ضرورية لحماية المرأة من الاستغلال أو إنكار الحقوق، خاصة ما يتعلق بالمؤخر والمستحقات المالية، كما كانت تمنع تحويل المرأة إلى سلعة يتم التنقل بها بين الرجال أو استخدامها لتحقيق مصالح مادية.
وأضاف أن الشريعة منعت عودة الزوج الأول إلى زوجته بعد زواجها من رجل آخر، حتى لا يتحول الزواج إلى وسيلة للعبث أو الاستغلال، مشددًا على أن النصوص الكتابية كانت تسعى لحفظ الكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر.