في لحظات مفصلية من عمر الدول، لا تكون المشكلة في غياب القرار، بل في توقيته. من يصل أولًا إلى لحظة الحسم؟ ومن يظل عالقًا في منطقة التردد؟ في المشهد العام، تبدو الإجابة واضحة في كثير من الملفات: القرار يأتي غالبًا من أعلى، بينما تصل النخبة متأخرة… أو تكتفي بالمشاهدة.
هذه الظاهرة لا تُقرأ كمدح مطلق للسرعة، ولا كإدانة جاهزة للتأخر، بل كدعوة للتأمل في هندسة الفعل العام: لماذا تتقدم الإرادة السياسية بخطوات واسعة، بينما تتحرك النخبة بحسابات أضيق؟ وأين تتشكل هذه الفجوة بين من يملك القرار ومن يُفترض أن يمهّد له؟ إنها فجوة لا تتعلق فقط بالسلطة، بل بثقافة اتخاذ القرار وحدود الجرأة داخل المجال العام.
في قضايا معقدة مثل بناء دور العبادة أو قوانين الأحوال الشخصية، ظل النقاش طويلًا أسير الحساسيات والتوازنات، إلى أن جاء الحسم من مؤسسة الرئاسة، فانتقلت الملفات من الجدل إلى التنفيذ. هنا لا تبدو المسألة مجرد تفوق في السرعة، بل اختلافًا في القدرة على تجاوز التعقيد، والانتقال من إدارة الجدل إلى صناعة القرار.
بطبيعتها، تميل النخبة إلى التحفّظ؛ فهي تفكر قبل أن تُقدم، وتحسب قبل أن تحسم، وتوازن بين اعتبارات متعددة: اجتماعية وسياسية وثقافية. هذا الحذر، رغم وجاهته، يتحول أحيانًا إلى عائق حين تتطلب اللحظة قرارًا واضحًا. في المقابل، يمتلك الرئيس مساحة أوسع للحسم، ليس فقط بحكم الصلاحيات، بل بقدرته على رؤية الصورة الكلية واتخاذ قرار يتجاوز تردد التفاصيل.
لكن هذه القدرة، على أهميتها، تكشف في الوقت ذاته فراغًا نسبيًا: أين كانت النخبة قبل لحظة الحسم؟ ولماذا لم تصل إلى هذه النقطة مبكرًا؟ فالدور التاريخي للنخبة ليس التعليق على القرار، بل الإسهام في صناعته، عبر إنتاج الأفكار وطرح البدائل وبناء التوافقات. وحين تغيب هذه الوظيفة، يصبح القرار استجابة لفراغ، لا امتدادًا لنقاش ناضج.
غير أن تراجع المبادرة يحوّل هذا الدور تدريجيًا من الفعل إلى التلقي. فبفعل الخشية من ردود الفعل، أو ثقل البيروقراطية، أو غياب الحوافز للمخاطرة الفكرية، تتباطأ الحركة، ويظهر فراغ تملؤه قرارات جاهزة من خارج الدائرة النخبوية. ومع تكرار هذا النمط، تنشأ حالة صامتة من الاعتمادية؛ انتظار غير معلن للحظة التي «سيُحسم فيها الأمر من أعلى»، بما يضعف روح المبادرة ويقلّص مساحة الاجتهاد.
لا يمكن إنكار أن المبادرات الرئاسية حرّكت ملفات ظلت لسنوات في حالة جمود، وفتحت مسارات لم تكن مطروحة من قبل. غير أن الاعتماد المستمر على هذا المسار وحده يطرح سؤالًا أعمق: ماذا يحدث لبقية المنظومة؟ فالدولة الحديثة لا تُبنى على فاعل واحد، مهما بلغت قدرته، بل على شبكة من الفاعلين تتكامل أدوارهم، بما يضمن استدامة الفعل وتنوع مصادره.
جزء من الإشكالية يرتبط أيضًا بفجوة التأثير؛ فالأفكار التي لا تصل إلى الناس، أو تُطرح بلغة مغلقة، تظل محدودة الأثر، مهما بلغت أهميتها. في هذه الحالة، يصبح القرار المباشر أكثر حضورًا، لأنه أوضح وأقرب وأسرع. وهنا تتراجع النخبة مرتين: مرة حين لم تبادر، ومرة حين لم تؤثر، ما يستدعي إعادة الاتصال بالمجتمع، وصياغة أفكار قابلة للحياة، تتجاوز التنظير إلى الإمكان.
أن يسبق الرئيس النخبة قد يكون، في لحظات كثيرة، ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. لكن استمرار هذا النمط يكشف فراغًا ينتظر أن يُملأ. فالمشكلة لم تعد في سرعة القرار، بل في بطء من اعتادوا الانتظار. وبين قيادة تحسم ونخبة تتردد، تظل المساحة الأهم هي مساحة المبادرة؛ حيث يمكن أن تتغير المعادلة، ويصبح السبق فعلًا مشتركًا، لا عبئًا على طرف واحد.