الأوقاف: إتقان العمل عبادة شرعية وضمانة للصحة النفسية والاكتمال الإنساني
أكدت وزارة الأوقاف أن إتقان العمل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمبدأ الإحسان الذي يعد ذروة سنام الأخلاق الإسلامية، والمتمثل في أداء العمل بأفضل صورة ممكنة استشعارا للمسؤولية الجسيمة أمام الله عز وجل، لا خوفًا من الرقابة البشرية أو مجرد الامتثال للوائح الجامدة، حيث إن هذا المنظور الإيماني يخلق ما يسميه علم النفس "الضبط الداخلي للسلوك" الذي يجعل من الضمير الحي الرقيب الأساسي والمحرك الأول للفعل الإنساني.
وأوضحت وزارة الأوقاف تزامنا مع عيد العمال ، أن الإيمان يمنح الإنسان معنى أعمق لعمله باعتباره رسالة سامية وعبادة يتقرب بها إلى خالقه، وهو ما يعد عنصرًا أساسيًا في تحقيق الصحة النفسية؛ لأن الإنسان الذي يدرك غاية نبيلة لما يفعل يكون أقل عرضة للشعور بالعبثية أو الفراغ الوجودي الذي قد يعصف باستقراره النفسي، وقد رسخ النبي ﷺ هذه القيمة العظيمة بقوله: «إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ»، كما جاء الأمر الإلهي صريحًا في قوله تعالى: ﴿وَأَحۡسِنُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾.
واستشهدت "الأوقاف "بما تجلى في الأدب العربي الرصين على لسان أمير الشعراء أحمد شوقي في حثه على السعي الجاد بقوله: "سَعيُ الفَتى في عَيشِهِ عِبادَة.. وَقائِدٌ يَهديهِ لِلسَعادَة، لِأَنَّ بِالسَعيِ يَقومُ الكَونُ.. وَاللَهُ لِلساعينَ نِعمَ العَونُ"، وهو ما يؤكد أن إتقان العمل من الناحية النفسية يشير إلى أداء المهمة بأعلى درجات الجودة والكفاءة، مدفوعًا بدافع داخلي أصيل لا مجرد امتثال خارجي للواجب الملقى على عاتق الإنسان.
وذكرت "الأوقاف" أن علماء النفس الإنساني يرون أن الإنسان يسعى بطبيعته الفطرية إلى النمو والإنجاز، حيث يتربع "تحقيق الذات" على قمة هرم أبراهام ماسلو للاحتياجات الإنسانية باعتباره الدافع الأعلى والهدف الأسمى للنمو النفسي، ومن هذا المنطلق يسعى الفرد إلى استثمار طاقاته الكامنة وتحويلها إلى إنجاز واقعي ملموس، مما يجعل الإتقان انعكاسًا للنضج النفسي والتوافق الداخلي الذي يصل إليه الفرد عند بلوغه قمة التطور الشخصي المتزن.
ولفتت وزارة الأوقاف إلى ما أكده العالم كارل روجرز من أن جودة الأداء تعكس درجة الانسجام بين السلوك الظاهر والقيم الداخلية للفرد، فتغدو جودة الأداء تعبيرًا عن سلامة البناء النفسي واستقامة الشخصية لا مجرد مهارة تقنية مكتسبة، ومن هنا يتضح بجلاء أن إتقان العمل يمثل حاجة نفسية عميقة ترتبط بتحقيق الذات والشعور بالكفاءة والمعنى، فالإتقان ينشأ من الدافعية الداخلية وانسجام الفرد مع قيمه وقدراته الذاتية بعيدًا عن الضغوط.
وأكدت وزارة الأوقاف على أنه مع تكرار الأداء المتقن تتعزز الثقة بالنفس ويزداد الاستقرار النفسي، وتتكوّن هوية شخصية ومهنية أكثر توازنا وقدرة على العطاء المستدام، وهكذا يصبح الإتقان في منظور وزارة الأوقاف، وبالتكامل مع العلوم النفسية والتربوية، طريقًا قويمًا للنمو النفسي والاكتمال الإنساني وتحقيق النهضة الحضارية الشاملة التي تنشدها الأمم والمجتمعات الراقية.
