تشهد أفريقيا في المرحلة الراهنة تصاعدًا غير مسبوق في التنافس بين الصين والقوى الغربية مدفوعًا باعتبارات اقتصادية واستراتيجية مرتبطة بالموارد الحيوية وسلاسل الإمداد العالمية وهذا التنافس لم يعد نظريًا بل تُترجمه أرقام حديثة تعكس حجم الرهانات الدولية على افريقيا ، ونعرض ملامح التنافس الصيني–الغربي:-
فعلى مستوى التجارة الدولية سجلت العلاقات الصينية الأفريقية رقمًا قياسيًا حيث بلغ حجم التبادل التجاري نحو 348 مليار دولار في 2025 بزيادة 17.7% عن العام السابق مع استمرار الصين كأكبر شريك تجاري لأفريقيا للعام السابع عشر على التوالي . وفي المقابل، بلغ حجم التجارة بين أفريقيا والاتحاد الأوروبي نحو 355 مليار يورو (حوالي 395 مليار دولار) في 2024 مما يجعله الشريك التجارى الأكبر إجمالًا من حيث القيمة أما الولايات المتحدة الأمريكية فلا تزال أقل حضورًا نسبيًا إذ تمثل أقل من 5% من صادرات أفريقيا رغم تسجيل نمو في التجارة خلال 2025
ولكن الأهم ليس فقط الحجم بل طبيعة العلاقات إذ تكشف البيانات أن الصين تصدر لأفريقيا ما يقارب 225 مليار دولار مقابل واردات أفريقية بنحو 123 مليار دولار مما يخلق فائضًا تجاريًا صينيًا يتجاوز 100 مليار دولار وهذا يعكس نمطًا قائمًا على تصدير أفريقيا للمواد الخام مقابل استيراد السلع المصنعة ولتقليل العجز التجارى مع افريقيا أعلنت الصين منح إعفاء جمركي كامل للمنتجات القادمة من 53 دولة أفريقية (وليس 54 دولة) اعتبارًا من الأول من مايو 2026 وهو قرار لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التراكمي للعلاقات الاقتصادية بين الصين وافريقيا خلال العقد الأخير ولا عن التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة التجارة والنفوذ العالمي وأيضا يمكن فهم قرار الإعفاء الجمركي باعتباره محاولة صينية لمعالجة هذا الخلل جزئياً عبر فتح السوق الصينية أمام المنتجات الأفريقية ومنحها قدرة تنافسية أعلى
وتحتل مصر موقعاً محورياً داخل هذه المنظومة حيث يبلغ حجم التبادل التجاري مع الصين نحو 18 مليار دولار سنوياً وتتوزع الاستثمارات الصينية في مصر على قطاعات الصناعة والبنية التحتية خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنطقة تيدا وتستمد مصر أهميتها من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وامتلاكها لقناة السويس مما يجعلها حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويمكن لمصر زيادة صادراتها للصين بتعظيم الاستفادة من قرار الاعفاء الجمركى .
وعلى مستوى التنافس الاستراتيجي تتجه القوى الغربية إلى إعادة التموضع في أفريقيا خاصة في قطاع المعادن النادرة فقد أطلقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في 2026 خطة مشتركة لتأمين سلاسل إمداد المعادن وتقليل الاعتماد على الصين (مبادرة الاستثمار الامريكية بقيمة 600 مليار دولار والبوابة الاوربية بقيمة 300 مليار يورو) وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية أفريقيا في التحول الصناعي العالمي بينما تواصل الصين تعميق حضورها عبر الاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين حيث تهيمن شركات صينية على قطاعات مثل الليثيوم في دول أفريقية وهو معدن أساسي لصناعة البطاريات وقد بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة التراكمية في أفريقيا نحو 45 مليار دولار حتى عام 2024 مع تركيز واضح على قطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعة بينما تراجعت القروض الصينية من مستويات قاربت 30 مليار دولار سنوياً في 2016 إلى نحو 4 مليارات دولار فقط في السنوات الأخيرة في إشارة إلى تحول بكين نحو نموذج أكثر استدامة قائم على الاستثمار الإنتاجي بدلاً من الإقراض الكثيف وأيضا عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الافريقية.
وعلى المستوى الاقتصادي التنموي فقد استفادت أفريقيا بشكل ملموس من هذا التنافس الذى أدى إلى تدفق استثمارات وبنية تحتية مثل مشروعات السكك الحديدية والطاقة سواء بتمويل صيني أو غربي وارتفعت صادرات المعادن والطاقة خاصة مع التحول نحو الاقتصاد الأخضر وباتت الدول الأفريقية قادرة على تنويع شركائها بدل الاعتماد على طرف واحد كما يظهر ذلك في قطاع الطاقة حيث ارتفعت واردات أفريقيا من الألواح الشمسية الصينية بنسبة كبيرة في 2026 مما يعزز التحول نحو الطاقة النظيفة
كما انعكس التنافس في تحسين نسبي للبنية التحتية والخدمات لكنه لا يزال يواجه تحديات مثل ضعف نقل التكنولوجيا واستمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام وعدم عدالة توزيع العوائد داخل افريقيا
هذا، ولم تعد أفريقيا مجرد ساحة تنافس بل لاعبًا يسعى لتعظيم مكاسبه من تعددية الأقطاب ونجاحها سيعتمد على قدرتها على تحويل هذا التنافس من مجرد تدفقات تجارية واستثمارية إلى تنمية هيكلية قائمة على التصنيع ونقل التكنولوجيا وتعزيز الاستقلال الاقتصادي وتطوير التكامل الإقليمي بما يضمن تنمية مستدامة وشاملة في ظل نظام عالمي يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة.