هدنة أم هدوء ما قبل العاصفة.. هل يتحول تمديد وقف إطلاق النار إلى فخ لإيران؟
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، لا يمكن قراءة إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار بمعزل عن السياق الأوسع الذي يتزامن فيه مع استمرار الحصار الأمريكي، ولا عن التلويح الإيراني بعدم الذهاب إلى المفاوضات.
المشهد لا يعكس مجرد تهدئة ظرفية، بقدر ما يكشف عن إعادة هندسة دقيقة لإدارة الصراع، تُدار فيها الأزمة بأدوات مركبة تجمع بين التهدئة الظاهرية والضغط العميق.
وفي هذا الإطار، قالت نهال الشافعي، الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية، إن ما يجري حاليًا يتجاوز كونه مسارًا تفاوضيًا متعثرًا، ليدخل في نطاق “إعادة تشكيل بيئة التفاوض” نفسها، بحيث لا تكون الطاولة متكافئة منذ البداية، بل مُحمّلة بعوامل ضغط مسبقة.
وأضافت الشافعي، في تصريحات خاصة لموقع نيوز رووم، أن تمديد وقف إطلاق النار، في ظاهره، يمنح فرصة لاحتواء التصعيد ومنح الوسطاء مساحة للحركة، خاصة مع الحديث عن احتمال إرسال وفد إيراني خلال الأيام المقبلة، لكن في جوهره، يعكس هذا التمديد نمطا أكثر تعقيدًا من إدارة الصراع، يقوم على تثبيت الهدوء الميداني مقابل تصعيد غير مباشر عبر الأدوات الاقتصادية.
خفايا تمديد وقف إطلاق النار
وأوضحت الشافعي أن هذه المعادلة تندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ“الاحتواء المرن”، حيث تسعى واشنطن إلى تجنب الانفجار العسكري، ليس بدافع التهدئة الكاملة، بل بهدف إبقاء الصراع تحت السيطرة، مع الاستمرار في استنزاف الخصم على المدى الطويل. فالحصار هنا لا يُستخدم كبديل عن الحرب، بل كامتداد لها بوسائل أقل صخبًا وأكثر تأثيرًا.
ترى الشافعي أن المفارقة الأساسية تكمن في أن وقف إطلاق النار لا يُنهي الصراع، بل يعيد توزيعه على مستويات أخرى، حيث تتحول المواجهة من ساحة عسكرية مباشرة إلى ساحة ضغط اقتصادي وزمني، وهو ما يضع إيران أمام معادلة معقدة، إما الانخراط في مفاوضات تحت ضغط مستمر، أو الاستمرار في الرفض مع تحمل كلفة الاستنزاف المتصاعد.
أما بشأن إعلان طهران عدم التوجه إلى المفاوضات، فترى الشافعي أنه لا يعكس انسحابًا نهائيًا بقدر ما يمثل محاولة لرفع سقف التفاوض وإعادة ضبط شروط الدخول إليه. فإيران، وفق هذا المنطق، تدرك أن الذهاب إلى طاولة المفاوضات في ظل استمرار الحصار قد يترجم إلى تنازلات غير متكافئة، وهو ما يدفعها إلى التريث، دون إغلاق الباب بشكل كامل، خاصة مع استمرار تحركات الوسطاء.
وتابعت أن الحديث عن احتمال إرسال وفد إيراني بحلول الأربعاء يظل قائمًا، لكن في إطار “حضور تكتيكي” يهدف إلى اختبار النوايا الدولية، وليس الانخراط الفوري في تسويات جوهرية.
هل يتحول تمديد وقف إطلاق النار إلى فخ لإيران؟
وفيما يتعلق بفرضية “الفخ”، شددت الباحثة السياسية على أن المسألة لا تتعلق بفخ عسكري مباشر، بل بنمط أكثر تعقيدًا يمكن تسميته بـ“الفخ الاستراتيجي الناعم”، حيث تُستخدم التهدئة كأداة لخلق شعور زائف بالاستقرار، بينما تستمر أدوات الضغط في إعادة تشكيل موازين القوة بشكل تدريجي لصالح الطرف الأكثر قدرة على التحمل.
وأشارت إلى أن هذا النوع من الفخاخ يعتمد على عامل الزمن كأداة رئيسية، حيث تتحول كل لحظة هدوء إلى فرصة لتعميق أثر الحصار، بما يجعل العودة إلى التصعيد خيارًا أكثر كلفة للطرف الواقع تحت الضغط.
وأكدت الشافعي على أن المرحلة الحالية لا تمثل لا سلامًا حقيقيًا ولا مواجهة مفتوحة، بل حالة “تعليق استراتيجي” يتم فيها تأجيل الانفجار دون تفكيك أسبابه، وأضافت:“نحن أمام مشهد بالغ التعقيد، حيث تُدار الأزمة بمنطق التوازن الدقيق بين التهدئة والضغط، وهو ما يجعل أي استقرار قائم هشًا بطبيعته، وقابلًا للانزلاق في أي لحظة إذا اختل هذا التوازن”.



