عاجل



في خضم التوترات التي تضرب منطقة الشرق الأوسط، يبرز خطاب متكرر يستهدف الدولة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش المصري. ومن بين النماذج اللافتة في هذا السياق، ما طرحه محمد إلهامي، عضو حركة ميدان، في مقاله الذي وجّه فيه انتقادات حادة ومباشرة للمؤسسة العسكرية المصرية، متبنياً لغة تصعيدية تتجاوز حدود النقد السياسي إلى محاولة التشكيك في الدور الوطني للجيش. هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع، حيث يتقاطع مع نهج مستمر تتبناه جماعة الإخوان في استغلال الأزمات الإقليمية لتوجيه ضربات إعلامية ومعنوية للدولة المصرية.
ومع تكرار هذا النمط في أزمات مثل ليبيا، السودان، قطاع غزة، وأخيراً الحرب على إيران، يصبح من الضروري تحليل الأسباب الحقيقية وراء هذا الهجوم، وفهم أهدافه وأساليبه.
أولاً: إدراك الإخوان لدور الجيش المصري كحائط صد رئيسي
تعلم جماعة الإخوان جيداً أن الجيش المصري يمثل العقبة الأكبر أمام مشروعها السياسي. فالمؤسسة العسكرية ليست فقط الضامن لاستقرار الدولة، بل هي أيضاً الحامي لهويتها الوطنية في مواجهة محاولات الاختراق أو إعادة التشكيل وفق أجندات أيديولوجية. لذلك، يصبح استهداف الجيش أولوية استراتيجية للجماعة، باعتباره “خط الدفاع الأول” الذي يقف في مواجهة أي محاولة للعودة إلى المشهد السياسي بالقوة أو الفوضى.
ثانياً: استغلال الأزمات الإقليمية كفرص للتشويه
مع كل أزمة في المنطقة، سواء في ليبيا أو السودان أو غزة أو حتى في سياق الصراع مع إيران، تحاول الجماعة توظيف الحدث لصالح خطابها. فهي تدرك أن الأزمات تخلق حالة من القلق الشعبي، ما يجعل الرأي العام أكثر قابلية للتأثر بالشائعات أو الخطابات التحريضية. ومن هنا، يتم توجيه رسائل ممنهجة تربط بين هذه الأزمات والدور المصري، بهدف تصوير الدولة وكأنها طرف سلبي أو متواطئ، وهو ما يهدف إلى تقويض الثقة في القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية.
ثالثاً: محاولة خلق فجوة بين الشعب والجيش
أحد أهم أهداف هذا الخطاب هو إحداث شرخ في العلاقة التاريخية بين الشعب المصري وجيشه. فهذه العلاقة، التي ترسخت عبر عقود من التضحيات، تمثل مصدر قوة للدولة. ولذلك، تعمل الجماعة على بث روايات تشكك في نوايا الجيش أو أدائه، في محاولة لإضعاف هذا الرابط. ويتم ذلك عبر منصات إعلامية مختلفة، سواء تقليدية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام لغة عاطفية تستهدف إثارة الغضب أو الإحباط.
رابعاً: السعي لإعادة التموضع السياسي
الهجوم المتكرر على الدولة لا ينفصل عن محاولة الجماعة إعادة تقديم نفسها كبديل سياسي. فمع تراجع حضورها على الأرض، تلجأ إلى التصعيد الإعلامي كوسيلة للحفاظ على وجودها في المشهد. ومن خلال انتقاد الدولة ومؤسساتها، تحاول تقديم نفسها كصوت “معارض”، رغم أن هذا الخطاب غالباً ما يتجاهل تعقيدات الواقع أو يتعمد تبسيطه بشكل يخدم أهدافاً محددة.
خامساً: استخدام أدوات إعلامية حديثة وممنهجة
تعتمد الجماعة على شبكة واسعة من الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية لنشر خطابها. وتشمل هذه الأدوات:
١-نشر مقالات وتحليلات تحمل طابعاً سياسياً لكنها مشحونة برسائل غير مباشرة.
٢- استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر مقاطع قصيرة أو تصريحات مجتزأة.
٣- الاعتماد على حسابات غير رسمية أو ما يُعرف بـ”اللجان الإلكترونية” لتضخيم الرسائل وتكرارها.
هذه الأساليب تهدف إلى خلق حالة من الزخم المصطنع حول قضايا معينة، بما يعطي انطباعاً بوجود رأي عام واسع يتبنى هذا الطرح.
سادساً: توظيف البعد الإيديولوجي
لا يمكن فصل هذا الهجوم عن الخلفية الفكرية للجماعة، التي ترى في الدولة الوطنية نموذجاً يتعارض مع مشروعها الأوسع. ومن هنا، يصبح استهداف مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش، جزءاً من صراع أيديولوجي يتجاوز حدود السياسة التقليدية. ويتم تغليف هذا الطرح أحياناً بشعارات دينية أو أخلاقية، لإضفاء شرعية على المواقف المطروحة.
سابعاً: محاولة التأثير على المواقف الدولية
من خلال تصعيد الخطاب ضد الدولة المصرية، تسعى الجماعة أيضاً إلى التأثير على الرأي العام الدولي، خاصة في ظل اهتمام بعض الأطراف الخارجية بملفات حقوق الإنسان أو الاستقرار الإقليمي. ويتم ذلك عبر تقديم روايات أحادية الجانب، تهدف إلى الضغط على الدولة أو تشويه صورتها في المحافل الدولية.

في النهاية، يتضح أن الهجوم المتكرر من جماعة الإخوان على الدولة المصرية، خاصة في توقيت الأزمات الإقليمية، ليس عشوائياً، بل هو جزء من استراتيجية مدروسة تستهدف إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش المصري. وبينما تتغير الأحداث والظروف في المنطقة، يظل هذا النهج ثابتاً، قائماً على استغلال الأزمات، وتوظيف الإعلام، ومحاولة إعادة التموضع السياسي.
غير أن وعي الدولة المصرية، مدعوماً بإدراك شعبي متزايد لطبيعة هذه التحركات، يمثل عاملاً حاسماً في مواجهة هذه المحاولات، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات المتصاعدة.

تم نسخ الرابط