عاجل

عالم بالأوقاف: الاحتفال بالربيع وشم النسيم عادة إنسانية منذ فجر التاريخ

الدكتور إبراهيم المرشدي
الدكتور إبراهيم المرشدي

ما أجمل الأعياد التي تتشارك فيها الأمم بأسرها، فشم النسيم هو ما يعرف بعيد الربيع، وقد اعتاد الخلق بأجمعهم على الاحتفال باستقبال فصل الربيع، والاحتفاء به عادة مستحسنة عند جميع الخلق، من الفراعنة إلى العرب إلى اليهودية والمسيحية والإسلام،

وقد كان الحُداء الذي هو مظهر من مظاهر الفرح والغناء الحسن كانت بدايته في العرب في فصل الربيع، حسبما يقول الدكتور إبراهيم المرشدي، أحد علماء وزارة الأوقاف، مستشهدا بما روي أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَقِيَ قَوْمًا فِيهِمْ حَادٍ يَحْدُو، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ حَادِيهُمْ، فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ؟ فَقَالُوا: مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنا مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَأْنُ حَادِيكُمْ لاَ يَحْدُو؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا أَوَّلُ الْعَرَبِ حُدَاءً، قَالَ: وَمِمَّ ذَلِكَ؟ قَالُوا: إنَّ رَجُلًا مِنَّا وَسَمَّوْهُ لَهُ، عزَبَ عَنْ إبِلِهِ فِي أَيَّامِ الرَّبِيعِ، فَبَعَثَ غُلاَمًا لَهُ مَعَ الإِبِلِ، قَالَ: فَأَبْطَأَ الْغُلاَمُ، فَضَرَبَهُ بِعَصًا عَلَى يَدِهِ، وَانْطَلَقَ الْغُلاَمُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا يَدَاهُ، يَا يَدَاهُ، قَالَ: فَتَحَرَّكَتِ الإِبِلُ لِذَلِكَ وَنَشِطَتْ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَمْسِكْ، أَمْسِكْ، قَالَ: فَافْتَتَحَ النَّاسُ الْحُدَاءَ.

الاحتفال بالربيع وشم النسيم عادة إنسانية منذ فجر التاريخ

وقد قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}، قال الإمام الرازي نقلًا عن أهل اللغة: هذه الإراحة أكثر ما تكون أيام الربيع، إذا سقط الغيث، وكثر الكلأ، وخرجت العرب للنجعة، وأحسن ما يكون النعم في ذلك الوقت.

ثم قال: "واعلم أن وجه التجمل بها أن الراعي إذا روحها بالعشي وسرحها بالغداة تزينت عند تلك الإراحة والتسريح الأفنية، وتجاوب فيها الثغاء والرغاء، وفرحت أربابها، وعظم وقعهم عند الناس بسبب كونهم مالكين لها". مفاتيح الغيب للرازي.

وقال العلماء: أحمد الفصول عند العرب فصل الربيع، لأنّ فيه الخصب ووجود مياه، ولهذا كانوا يقولون للرجل الجواد: هو ربيع اليتامى.

ويؤكد الدكتور إبراهيم المرشدي، أن الابتهاج بالربيع عادة قديمة عند غير العرب كذلك، حتى قال شيخ صناعة الطب أبقراط: "من لم يبتهج لرؤية الربيع، ولا يتروع بنسيم أسحاره فهو عديم حس أو سقيم نفس". راجع: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء للراغب الأصفهاني (2/ 594)، وقد قال أبو بكر الصنوبري المتوفى 334هـ المعروف بشاعر الرياض والأزهار: تبارك الله ما أحلى الربيعَ فلا* تُغرَرْ فقائسُه بالصيف مغرور .. من شمّ ريحَ تحيّاتِ الربيع يقل* ما المسكُ مسكٌ ولا الكافور كافور.

وكتب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أمراء الأمصار أن مروا الناس في أيام الربيع بالخروج إلى الصحراء لينظروا إلى النور إلى آثار رحمة الله.

وروى أبو القاسم المصري المتوفى 257هـ نحوه عن سيدنا عمرو بن العاص أنه كان يكتب لهم في ذلك ونصه: "وكان إذا جاء وقت الربيع واللبن، كتب لكل قوم بربيعهم ولبنهم إلى حيث أحبّوا". 
راجع: فتوح مصر والمغرب (صـ 168).

وكانوا يعتبرون الاحتفاء بذلك والفرح به من النعم العظيمة التي توجب الشكر، فلما قال أبو الحسن ابن الأستجي وهو يصف الربيع: شم غرسك الأرضي إن الذي* أبصرته غرس سماوي

قال أبو الحسن الشنتريني المتوفى 542هـ: "ومعنى البيت الرابع من هذه ناظر إلى قول الآخر: لا تقس غرس ربنا* بالذي يغرس البشر". راجع: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (3/ 201).

قال الإمام أبو الحسن السروجي المتوفى 570هـ: فصلُ الرَّبيعِ زمانٌ نورُه نورُ* أنفاسُ أشجاره مِسْكٌ وكافورُ
جاءت به الأرضُ تُجْلى في ملابسها* فحارَ مِنْ حُسْنها في الجَنَّةِ الحورُ

قال الإمام صدر الدين ابن الوكيل المتوفى 716هـ:ةولمّا جلا فصل الربيع محاسنا* وصفّق ماء النهر إذ غرّد القمري
أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه* فنقّط وجه الماء بالذهب المصري. راجع: فوات الوفيات (4/17)، حسن المحاضرة (2/ 391).

ويضيف الدكتور إبراهيم المرشدي، شم النسيم مظهر مجتمعي قديم، اشترك فيه العربي وغيره، والمسلم وغيره، والقول بأنه عيد فرعوني أو يهودي أو مسيحي مغالطة، وقد كتب أبو الوليد إسماعيل بن محمد بن عامر بن حبيب الإشبيلي المتوفى 440هـ كتابًا بعنوان: "البديع في فصل الربيع" وهو مطبوع ذكر فيه أشعار أهل الأندلس خاصة في استقبالهم لفصل الربيع، ونصه: "ولست أودعه إلا ما أذكره لأهل الأندلس خاصة في هذا المعنى".

قد قال في مقدمته: "وفصل الربيع آرج وأبهج، وآنس وأنفس، وأبدع وأرفع من أن أحُدّ حُسن ذاته، أو أعُدَّ بديع صفاته، وحسبي بما يعلم الكل منها، ويخبر به الجميع عنها، شهيدًا لما نقلته، دليلًا على ما قلته".

ويشير إلى أن محاولة صبغة الاحتفال بشم النسيم وفصل الربيع على أنه أمر ديني فكرة ساذجة ومرفوضة، وتحميل لما لا يحتمل، فقد كان موجودًا قبل الإسلام وبعده، ولم يحرمه أحد من السلف قط.

والقول بأنه عادة فرعونية قديمة أو غيرها لا يدل على الحرمة بحال، فإن العادة المنسية تسقط المشابهة، أي: ما دام الأمر يُفعل بلا قصد التشبه فلا وجه للقول به، كالتشبه في الملبس والمطعم والمركب وغيرها، فكل ذلك أصبح من العادات المنسية التي لا علاقة لها بالتشبه.

ويختتم: وعلى ذلك فالاحتفال بيوم النسيم والفرح به وإدخال السرور على الناس مظهر مجتمعي أصيل متفق عليه بين الناس جميعًا، واختصاصه بأكل معين لا يدل على شعيرة بعينها في دين بعينه، وتأويل ذلك من بعض الناس أن تلوين البيض كذا أو أكل الفسيخ كذا شيء أضحى محض خيال، وتأويلات ابتكرها أناس لا رصيد لهم في العلم أو المعرفة، وميزان جواز الاحتفال بشم النسيم من عدمه: أن تحتفل به احتفالًا لا إثم فيه ولا معصية، بل للتنزه أو لإدخال السرور على أهلك، أو لمشاهدة آثار الله تعالى في خلقه، وحينئذ فلا خلاف في إباحته، والله تعالى أعلى وأعلم.

تم نسخ الرابط