ضمن حملة نيوز رووم
كيف تقتل نفسك يأساً والرب رحيم؟.. أزهري يكشف روشتة شرعية لمواجهة الانتحار
أطلق موقع «نيوز رووم» حملة لمواجهة الانتحار والدعوة للتأهيل والدعم النفسي بعد واقعة سيدة سموحة المأساوية، حيث صرخة الروح وأمانة الجسد: كيف واجه التراث الفقهي فاجعة الانتحار؟
واقعة سيدة سموحة المأساوية.. الرحمة والتأهيل النفسي
وقال الدكتور علي الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، إنه حين تقف النفس على حافة الهاوية، وتضيق الأرض بما رحبت، يظن البعض أن الدين يقابل هذه الانكسارات بـ "سيف التحريم" فحسب؛ لكن الحقيقة التي تزدحم بها كتب الفقهاء وعظماء الأمة كالإمام النووي وغيره، تكشف عن منظومة استباقية وعلاجية تحتضن النفس قبل أن تهوي، وتضع "روشتة" إيمانية وعقلية لإعادة تأهيل من أظلمت في عينه السبل.
1. المرجعية العليا: "الرحمة" قبل "النهي"
وأوضح أنه لم يكن النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ مجرد أمر سيادي، بل ربطه الخالق بصفة "الرحمة". استنبط الفقهاء من ذلك أن الله -عز وجل- أعلم بضعف النفس البشرية وتكالُب الهموم عليها، فأراد أن يحمي العبد من "ساعة لجاجة" أو لحظة غياب وعي ينهي بها فرصة التوبة والتعويض. فالحياة ليست ملكاً لك لتبددها، بل هي "عقار مسترد" لصاحبه الحق سبحانه.
2. فقه "النووي" في تشريح النفس المكلومة
وتابع: عندما نقرأ للإمام النووي في "شرح صحيح مسلم"، نجد عمقاً إنسانياً مذهلاً؛ فهو حين يتحدث عن الوعيد الشديد الوارد في الأحاديث (كمن قتل نفسه بحديدة أو سم)، يقرر بصراحة الفقيه المتبحر أن هذا الوعيد "للزجر"، لكنه لا يخرج صاحبه من الملة، بل هو تحت مشيئة الله ورحمته.
ولفت إلى أن هذا التأصيل القانوني الفقهي يهدف إلى "كسر حلقة اليأس"؛ فالمنتحر غالباً ما يقتله الشعور بأنه طُرد من رحمة الله، فيأتي فقه النووي ليقول له: "باب الرجاء لا يُغلق حتى في وجه المعصية، فكيف تقتل نفسك يأساً والربُّ رحيم؟".
3. التأهيل النفسي: كيف نستردّ المقبل على الانتحار؟
يرى التراث الإسلامي أن "التأهيل" يبدأ من تفكيك فكرة "العدم" التي تسيطر على ذهن المبتلى، عبر مسارات عملية:
* تغيير مفهوم "البلاء": في كتاب "الفوائد" لابن القيم، يشير إلى أن المصيبة إذا نزلت بالعبد، فإما أن تكون "سوطاً" يسوقه إلى الله، أو "كفارة" تحط عنه الخطايا. إن إدراك المقبل على الانتحار أن وجعه "استثمار" أخروي، يقلب موازين القوى في نفسه من الضعف إلى الصبر.
* قاعدة "الضرر لا يزيل الضرر": يؤكد الفقهاء أن من مقاصد الشريعة الخمسة "حفظ النفس"؛ فإذا كان الانتحار هروباً من ألم دنيوي، فإنه في المنطق الفقهي هو وقوع في ألم أكبر وأبقى، وهنا يخاطب الشرع "عقل" الشخص ليوازن بين صبر مؤقت وراحة موهومة تعقبها تبعات ثقيلة.
* العلاج بـ "الواقعية الإيمانية": النبي ﷺ حين قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" (متفق عليه). هذا الحديث هو قمة "التأهيل النفسي"؛ فهو لم ينكر على الإنسان شعوره بالضيق، بل علمه كيف "يفوض الأمر" ويخرج من ضيق الاختيار الشخصي إلى سعة الاختيار الإلهي.
4. الوعي المجتمعي: المسؤولية التضامنية
التراث لا يلقي باللائمة على "المنتحر" وحده، بل يرى أن المجتمع الذي ترك أخاه للوحدة فريسة لـ "الوسواس" هو مجتمع مقصر. فالنبي ﷺ حذر من أن "الذئب يأكل من الغنم القاصية". لذا، فإن التأهيل النفسي في التراث يبدأ من "التكافل النفسي"، ومجالسة أهل الفضل، وإحياء روح الأمل بذكر أحاديث سعة المغفرة، مثل قوله ﷺ: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" (رواه مسلم).
المنتحر هو إنسان انقطع عنه نور الأمل
وشدد على أن تراثنا الفقهي لم يكن "جامداً" أمام الدماء، بل كان "حارساً" للأرواح وأن الأدلة من الكتاب والسنة لا تقف عند حدود "العقاب"، بل ترسم طريق "النجاة"، مؤكدًا أن المنتحر هو إنسان انقطع عنه نور الأمل، ومهمة الفقيه والواعظ والمجتمع هي إعادة إيقاد هذا السراج بالرحمة، والرفق، والتذكير بأن الذي خلق النفس هو وحده الذي يملك حق استردادها، وهو أرحم بها من الأم بولدها.



