تسوية مؤجلة ولا سلام قريب.. هذا هو حال شرق أوسط بات ينتظر ما سيحدث بعد جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد، التي لم تكن حاسمة ولم تكن نهاية للحرب الدائرة في الشرق الأوسط.. جولة كشفت أن القوة وحدها لا تصنع تسوية، وأن الصمود وحده لا يفرض شروطا للنهاية.
تعثر تفاوضي في إسلام آباد، ينهار خلاله الرهان الأمريكي على الحسم السريع، وكذلك يؤكد تمسك طهران بمعادلة الصمود والمواجهة؛ ليخرج المشهد بعد يومين من المحادثات المكثفة، بلا اتفاق، لكنه يخرج بحقيقة أكثر وضوحا؛ أن الأزمة لم تعد أزمة بنود تقنية أو نسب تخصيب، بل صراع مفتوح على شكل التوازن الإقليمي المقبل، وحدود النفوذ، ومن يملك حق فرض شروط المرحلة التالية؛ ليتأزم المشهد ويصبح صدام إرادات لا صدام ملفات.
خلاف في جوهره صداما بين إرادتين، لا مجرد تفاوض حول أوراق مكتوبة؛ فواشنطن تلوح الآن، بأنها قدمت العرض الأخير، مدفوعة بقناعة أن الضربات العسكرية الأخيرة كان يجب أن تترجم إلى تنازلات سياسية حاسمة، وفي مقدمتها إغلاق أي مسار نحو قدرة نووية إيرانية مستقبلية.. على الجانب الآخر، تعاملت طهران مع هذا الطرح باعتباره تجاوزا مباشرا لسيادتها وخطا أحمر لا يمكن الاقتراب منه؛ ليرى كل طرف نفسه منتصرا، وهنا يكمن جوهر الانسداد.. معضلة كبرى خاصة أن إدارة ترامب ترى أن الضغط العسكري والاقتصادي منحها أفضلية تفاوضية، بينما تعتبر إيران أن قدرتها على امتصاص الضربات دون انكسار منحتها شرعية أكبر للتمسك بأوراقها.. هذا التضاد يزيد من حالة التأزم في المنطقة.
فما بعد إسلام آباد.. هناك ثلاث فرضيات مفتوحة؛ أولها عودة التصعيد العسكري المحدود إذا رأت واشنطن أن الضغط هو الطريق الوحيد لتحريك الموقف الإيراني، وهو سيناريو يحمل تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة والإقليم بأكمله.. الفرضية الثانية هي العودة إلى تفاوض طويل النفس، أشبه بما جرى في مراحل سابقة، عبر تفاهمات جزئية لا اتفاق شامل.. أما الفرضية الثالثة، وهي الأقرب واقعا، فتتمثل في تثبيت حالة "اللاحرب واللاسلم"، حيث يستمر وقف النار الهش، وتبقى المنطقة رهينة الضغوط المتبادلة ورسائل الردع؛ ويبقى مضيق هرمز والنووي أوراق ضغط لا بنود تفاوض.
فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح سلاحا استراتيجيا في قلب التفاوض، تستخدمه طهران كورقة ضغط تربطها بالعقوبات والضمانات الأمنية.. والأمر ذاته ينصب على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تراه واشنطن تهديدا مباشرا، بينما تنظر إليه إيران كصمام ردع لا يمكن التفريط فيه بلا مقابل يوازي ثقله السياسي والعسكري.. ليبقى الشرق الأوسط واقفا على حافة مرحلة أكثر غموضا، حيث تتراكم الضغوط وتدار الأزمة دون حل جذري، بانتظار لحظة قد تفرض فيها الموازين تسوية مختلفة، أو تدفع الجميع إلى جولة تصعيد أخطر.

