بعد دورها اليوم.. تاريخ باكستان كوسيط بين الدول في الحروب
في خطوة دبلوماسية غير متوقعة، برزت باكستان كوسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت لمدة أسبوعين، وتستضيف محادثات سلام في إسلام آباد اليوم السبت.
يعد هذا الإنجاز أحد أبرز الانتصارات الدبلوماسية لباكستان في السنوات الأخيرة، ويفتح صفحة جديدة في تاريخها كدولة قادرة على التوفيق بين أطراف متنازعة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية المتنوعة وموقعها الجيوسياسي الحساس.
تاريخ طويل من الوساطة الدبلوماسية
لم يكن دور باكستان كوسيط جديدا، بل يعود إلى عقود، في عام 1971، لعب الرئيس الباكستاني يحيى خان دورا حاسما في تسهيل اجتماع سري بين مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر والقيادة الصينية، مما مهد الطريق لزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية إلى بكين عام 1972، ومن ثم تطبيع العلاقات بين واشنطن وبكين، وفقا لأسوشيتد برس.
وبعد ذلك بعقدين، شاركت باكستان كدولة خط أمامي في اتفاقيات جنيف عام 1988، التي أدت إلى انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، من خلال التنسيق مع الأمم المتحدة والولايات المتحدة. أما في العصر الحديث، فقد ساهمت إسلام آباد في تسهيل المحادثات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية، مما أفضى إلى اتفاق الدوحة عام 2020 وانسحاب القوات الأمريكية والناتو عام 2021.
كما حاولت باكستان، تحت قيادة رئيس الوزراء السابق عمران خان عام 2020، التوسط بين إيران والسعودية لمنع تصعيد عسكري، وبين طهران وواشنطن بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني.
وعلى الرغم من أن تلك الجهود لم تُكلل بالنجاح الكامل، إلا أنها أكدت على سياسة باكستان الخارجية القائمة على "التوازن" بين القوى الكبرى.
الوساطة في حرب إيران وأمريكا
اندلعت الحرب بين واشنطن ووتل أبيب ضد طهران أواخر فبراير 2026، إثر ضربات عسكرية أمريكية وإسرائيلية على أهداف إيرانية.
ومع تصاعد المخاوف من حرب إقليمية واسعة، برزت باكستان كوسيط غير متوقع، حيث نقلت إسلام آباد خطة أمريكية من 15 نقطة إلى طهران، ونسقت رسائل خلفية بين الطرفين، مما أدى إلى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت يوم الثلاثاء الماضي.
يقود الجهود رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ووزير الخارجية إسحاق دار، بالتنسيق الوثيق مع قائد الجيش المشير عاصم منير، الذي يتمتع بعلاقات شخصية قوية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بـ"مارشالي المفضل".
لماذا وقع الاختيار على باكستان؟
تعود مصداقية باكستان كوسيط إلى عدة عوامل، منها العلاقات المتوازنة، حيث تحافظ إسلام آباد على علاقات عملية مع واشنطن وعلى حدود مشتركة طولها أكثر من 900 كيلومتر مع إيران، بالإضافة إلى اتفاق دفاعي حديث مع السعودية.
وأيضا المصالح الوطنية، حيث تمثل إيران جارا حيويا، ويشكل الشيعة نحو 20% من سكان باكستان، مما يجعل الاستقرار الإقليمي أولوية أمنية واقتصادية، كما أن الدبلوماسية العسكرية لها دور أيضا، فالجيش وقيادته لهم دور في بناء الثقة مع ترامب ساهم في تسريع التواصل.
يصف خبراء الدبلوماسية هذا الدور بأنه "انتصار دبلوماسي مدو"، خاصة بعد أن كانت باكستان تعاني من عزلة نسبية قبل عام.
ما بعد الوساطة.. آفاق جديدة لدور باكستان
مع استمرار المحادثات في إسلام آباد، يتوقع مراقبون أن يعزز هذا النجاح مكانة باكستان كلاعب إقليمي مؤثر، وقد يفتح أبوابا لوساطات مستقبلية في نزاعات أخرى مثل التوترات الأفغانية أو الخليجية.
ومع ذلك، يحذر بعض المحللين من التحديات، مثل الضغوط الاقتصادية الداخلية، والتوازن الدقيق بين الصين (الحليف الاستراتيجي) والولايات المتحدة.



