بين التصعيد والتهدئة.. إلى أين تتجه مفاوضات أمريكا وإيران؟|خاص
يحبس العالم أنفاسه ترقبًا لانطلاق المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، المقرر عقدها في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، في وقت لاحق اليوم، وذلك بعد حرب استمرت 40 يومًا.
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت هذه المفاوضات ستقود إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بشكل مؤقت كهدنة، أم أنها تسوية شاملة تنهي حالة التصعيد بشكل كامل بين الجانبين.
من جانبه أكد السفير رخا أحمد حسن، عضو المجلس المصري للعلاقات الخارجية، أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران ما تزال في إطار مرحلة تمهيدية تستهدف اختبار مواقف الطرفين، حيث يبدأ كل طرف بطرح أقصى مطالبه قبل الانتقال تدريجيًا إلى البحث عن أرضية مشتركة يمكن البناء عليها للوصول إلى تفاهمات أكثر واقعية.
وأوضح حسن في تصريحات خاصة أن هذه المرحلة تشهد عادة تبادل أوراق ومقترحات بين الجانبين، من بينها بنود طرحتها واشنطن وملاحظات ومطالب قدمتها طهران، مشيرًا إلى أن الهدف الأساسي في الوقت الراهن هو تقريب وجهات النظر تمهيدًا لإطلاق مفاوضات غير مباشرة أكثر جدية.
تبادل أوراق ومقترحات الجانبين
وأضاف أن هناك تحركات إقليمية موازية تسعى لدعم هذا المسار، عبر اجتماعات وتنسيقات تضم أطرافًا إقليمية مؤثرة، من بينها مصر وتركيا وباكستان، مع انضمام السعودية إلى هذا الإطار باعتبارها طرفًا رئيسيًا في معادلة الأمن الإقليمي، وبما يضمن أن تكون أي تسوية مستقبلية شاملة وتراعي مصالح دول الخليج وأمنها، مشيرًا أن انضمام السعودية يعكس حرص دول الخليج على الحصول على ضمانات أمنية طويلة المدى، وليس مجرد وقف مؤقت للتصعيد، بل الوصول إلى ترتيبات مستقرة تضمن أمن المنطقة في ظل التوترات المتكررة.
وأكد أن الدول الوسيطة تمتلك وزنًا سياسيًا وإقليميًا مؤثرًا، إلى جانب قبول لدى مختلف الأطراف، بما في ذلك الولايات المتحدة وإيران، ما يؤهلها للقيام بدور مهم في تقريب المواقف وصياغة مقترحات توافقية يمكن تقديمها للطرفين، لافتًا إلى أن مصر تمتلك خبرة تاريخية في إدارة الأزمات والتوسط في النزاعات، إلى جانب مكانتها الإقليمية وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف، فيما تتمتع تركيا بعلاقات مباشرة مع إيران وعضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يمنحها قدرة على التحرك بين الجانبين، بينما تلعب باكستان دورًا في رعاية بعض المصالح الإيرانية لدى الولايات المتحدة.
التوافق السياسي
وفيما يتعلق بإمكانية التوصل إلى اتفاق أوضح حسن أن الأمر يرتبط بدرجة التوافق السياسي بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى أن أي قرار أمريكي حاسم بوقف التصعيد سيكون له تأثير مباشر على التزام الأطراف الأخرى، في ظل اعتماد العمليات العسكرية على الدعم اللوجستي والتقني الأمريكي.
وحذر من أن استمرار الحرب أو توسيع نطاقها ينعكس سلبًا على المصالح الدولية والاقتصاد العالمي، كما يؤثر على صورة الولايات المتحدة وقدرتها على حسم الصراعات في المنطقة، خاصة في ظل امتداد إيران الجغرافي وتعقيد طبيعة الصراع.
من جانبه أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران يسعى كل طرف من خلالها إلى تحسين موقعه التفاوضي، سواء على المستوى الإقليمي أو على أرض الواقع، عبر رفع سقف المطالب أو توظيف أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية، لافتًا إلى أن ذلك يعكس حالة من الحذر الشديد وغياب الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران.
وأضاف البرديسي في تصريحات خاصة أن التحركات والتوترات في أكثر من ساحة إقليمية يمكن قراءتها باعتبارها جزءًا من محاولة كل طرف تعزيز أوراقه التفاوضية قبل الدخول في أي تسوية محتملة، موضحًا أن هذه التطورات تُستخدم كأدوات ضغط غير مباشرة تؤثر على مسار التفاوض حتى وإن لم تكن جزءًا رسميًا منه.
الملف النووي الإيراني
وأشار إلى أن المفاوضات لا تزال تدور في نطاق ضيق ومعقد، ولم تصل إلى مرحلة التوافق الحقيقي حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، إلى جانب ملف النفوذ الإقليمي الإيراني في مناطق التوتر بالشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي تقدم بطيئًا ومشحونًا بالحذر.
وأوضح أن من أبرز الإشكاليات في هذه المفاوضات هو غياب الثقة المتبادلة بشكل شبه كامل، إلى جانب تشابك الملفات وتداخلها، سواء المتعلقة بالبرنامج النووي أو العقوبات أو القضايا الإقليمية، ما يجعل الفصل بينها أمرًا شديد الصعوبة.
وشدد على أن أي اتفاق في حال التوصل إليه لن يكون محدودًا بالملف النووي فقط، بل سيكون اتفاقًا متعدد الأبعاد يشمل ترتيبات أمنية وسياسية وإقليمية، وهو ما يزيد من تعقيد المفاوضات، مشددًا على أن أي انفراجة حقيقية تتطلب تنازلات واضحة من الطرفين لبناء أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو اتفاق مستدام.