هل تتكرر مأساة العام الماضي؟.. موسم الأمطار يضع مصر والسودان أمام اختبار جديد
مع اقتراب موسم الأمطار على حوض النيل الأزرق، تتزايد حالة الترقب والقلق في كلٍ من مصر والسودان، في ظل استمرار الغموض بشأن أسلوب تشغيل سد النهضة وتوقيتات تصريف المياه، ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما حدث في العام الماضي، حين أدى سوء إدارة التدفقات المائية إلى فيضانات مفاجئة ألحقت أضرارًا كبيرة بالسودان، وكادت تمتد تداعياتها إلى مصر لولا قدرة السد العالي على استيعاب الصدمات المائية.
موسم الفيضانات
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح الخبراء تساؤلات ملحّة حول ما إذا كانت المنطقة على موعد مع تكرار نفس السيناريو، خاصة مع ارتفاع مخزون بحيرة السد واقتراب ذروة الأمطار، مقابل غياب تنسيق واضح بين دول حوض النيل الشرقي، وبين احتمالات موسم مطري متوسط أو أقل من المعتاد، ومخاوف من قرارات تشغيل أحادية، تبقى المخاطر قائمة، ويظل مستقبل الأمن المائي لدولتي المصب مرهونًا بحسن إدارة هذا الملف شديد الحساسية.
ومن جانبه حذر الدكتور محمد نصر علام، وزير الموارد المائية والري الأسبق، من استمرار المخاطر المرتبطة بتشغيل سد النهضة، مع اقتراب موسم الأمطار الجديد، مؤكدًا أن غياب سياسة واضحة لإدارة السد يثير القلق بشأن تداعياته على مصر والسودان.
توقعات بموسم أمطار متوسط أو أقل
قال علام، في تصريحات خاصة إن توقعاته الشخصية تشير إلى أن موسم الأمطار المقبل على حوض النيل الأزرق قد يكون في حدود المعدل الطبيعي أو أقل قليلًا، مرجعًا ذلك إلى تعاقب سنوات طويلة تقترب من عقد كامل شهدت معدلات أمطار متوسطة أو أعلى من المتوسط، لافتًا الي أن هذه الدورات الطبيعية في معدلات الأمطار قد تؤدي إلى تراجع نسبي في كميات المياه الواردة خلال الموسم القادم.
غياب سياسة تشغيل واضحة للسد
وأوضح وزير الري الأسبق أنه لا توجد حتى الآن سياسة تشغيل معلنة أو مستقرة لسد النهضة، سواء فيما يتعلق بإدارة التوربينات أو آليات توليد الكهرباء.
وأضاف أن هذا الغموض يثير العديد من التساؤلات حول كميات المياه التي سيتم تصريفها من السد، وكذلك توقيتات هذا التصريف، وهو ما يصعّب من قدرة دولتي المصب على التخطيط المسبق.
مخاوف من استمرار سوء التشغيل
وأشار علام إلى أن احتمالات سوء تشغيل السد لا تزال قائمة، نتيجة سعي إثيوبيا للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من المياه داخل البحيرة، مشيرا أن هذه السياسة التي تبدو مدفوعة باعتبارات سياسية قد تؤدي إلى تعقيد إدارة الموارد المائية في المنطقة.
تحذير من تصريف مفاجئ للمياه
وأكد أن هذا النهج قد يترتب عليه تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ، ما يشكل تهديدًا مباشرًا على السدود السودانية، وقد ينعكس سلبًا على منظومة إدارة المياه في مصر، كما أن مثل هذه السيناريوهات تظل واردة في ظل غياب التنسيق والتفاهم المشترك بين الدول المعنية.
اتفاق ثلاثي هو الحل الأمثل
وشدد علام على أن الحل الوحيد لضمان أمن دولتي المصب، وفي الوقت نفسه تحقيق أقصى استفادة لإثيوبيا، يتمثل في التوصل إلى اتفاق ثلاثي واضح بين مصر والسودان وإثيوبيا.
وأضاف أن هذا الاتفاق يجب أن يتضمن قواعد محددة لملء وتشغيل السد، بما يحقق أعلى كفاءة في توليد الكهرباء الإثيوبية، ويقلل في الوقت ذاته من الأضرار المحتملة الناتجة عن التغيرات في تدفقات المياه مقارنة بالمتوسط السنوي للنيل الأزرق، كما يجب تحقيق توازن دقيق بين متطلبات التنمية الإثيوبية وحقوق دولتي المصب، مشيرًا إلى أن الإدارة الرشيدة والتنسيق المشترك يظلان السبيل الوحيد لتفادي الأزمات المستقبلية.
احتمالية تكرار سيناريو العام الماضي
كما حذر الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، من احتمالية تكرار سيناريو العام الماضي في تشغيل سد النهضة، متسائلًا عن مدى جاهزية الإدارة الإثيوبية لتفادي مخاطر فيضانية جديدة مع اقتراب موسم الأمطار.
تخزين قياسي دون تشغيل فعّال
وقال شراقي إن بحيرة سد النهضة امتلأت في 5 سبتمبر 2024 عند منسوب 638 مترًا فوق سطح البحر، بإجمالي تخزين بلغ نحو 60 مليار متر مكعب، وذلك بعد إضافة توربينين في الجانب الأيسر، ليصل إجمالي عدد التوربينات إلى أربعة.
وأضاف أستاذ الموارد المائية أن السد لم يُفتتح رسميًا في ذلك التوقيت بسبب عدم استكمال تركيب التوربينات المتبقية وعددها 13 توربينًا، مشيرًا إلى أنه كان من المفترض تشغيل التوربينات الأربعة على مدار العام، بما يسمح بتصريف ما لا يقل عن 30 مليار متر مكعب من المياه، وهو ما لم يحدث.
غياب التفريغ التدريجي أدى إلى الأزمة
وأوضح شراقي أن السلطات الإثيوبية لم تقم بفتح بوابات المفيض لتفريغ المياه تدريجيًا قبل موسم الأمطار، ما أدى إلى دخول البحيرة الموسم وهي شبه ممتلئة، لافتًا إلي أن هذا الوضع تسبب في فيضان المياه من أعلى السد عبر الممر الأوسط يوم الافتتاح الرسمي في 9 سبتمبر 2025، في مشهد عكس خطورة إدارة المخزون المائي.
فيضانات غير مسبوقة تضرب السودان
وأشار شراقي إلى أن غزارة الأمطار بعد أيام من الافتتاح كشفت عن تفاقم الأزمة، ما اضطر إثيوبيا إلى فتح أربع بوابات من المفيض العلوي، وتصريف أكثر من 750 مليون متر مكعب يوميًا.
وأضاف أن هذه الكميات تسببت في فيضانات غير مسبوقة في السودان، وقعت في توقيت غير معتاد بنهاية سبتمبر وبداية أكتوبر، وهي فترة عادة ما تشهد تراجعًا في معدلات الأمطار.
وأكد أنه لولا وجود السد العالي، لكانت التداعيات امتدت إلى داخل الأراضي المصرية.
توقف التوربينات يثير التساؤلات
وقال شراقي إن جميع التوربينات كانت متوقفة يوم الافتتاح الرسمي، واستمر التوقف لنحو شهرين، قبل أن يبدأ تشغيل محدود لاحقًا.
وأضاف أن التوربينين السفليين متوقفان تمامًا منذ يونيو 2025، ما يعكس تحديات في منظومة التشغيل.
مخزون مرتفع قبل موسم الأمطار الجديد
وأوضح شراقي أنه حتى 31 مارس 2026، وقبل شهرين من بدء موسم الأمطار، لا تزال البحيرة شبه ممتلئة، حيث انخفض منسوبها بنحو 8 أمتار فقط ليصل إلى 632 مترًا، بإجمالي تخزين يبلغ نحو 51 مليار متر مكعب.
وأضاف أنه في حال التشغيل الطبيعي، كان من المفترض أن ينخفض المخزون إلى نحو 30 مليار متر مكعب على الأقل، ما يثير علامات استفهام حول كفاءة الإدارة الحالية.
تحذير من تكرار سيناريو الفيضان
واختتم شراقي تصريحاته متسائلًا عما إذا كانت إثيوبيا ستستمر في الإبقاء على بوابات المفيض مغلقة رغم امتلاء البحيرة، ما قد يضطرها إلى فتحها بشكل مفاجئ خلال موسم الأمطار.
وأضاف أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تكرار الفيضانات، داعيًا إلى اتخاذ إجراءات استباقية لتفادي أي مخاطر تهدد دولتي المصب.