التحرش الإلكتروني.. ننشر موضوع خطبة الجمعة الثانية في شوال
حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة الثانية من شهر شوال 1447، حول جرائم التحرش الإلكتروني، إذ تهدف للتوعية بمخاطر الإنترنت ومن أبرزها التحرش الإلكتروني، والتحذير من الألعاب الإلكترونية الضارة بالأطفال.
أخطر الجرائم المعاصرة
وأكدت الأوقاف أن من أخطر الجرائم المعاصرة التي أخذت تنخر في جسد المجتمعات وتؤرق ضمائر العقلاء؛ جريمةَ التحرّش الإلكتروني، ذلك السلوك المنحرف الذي يُقصد به تعمُّد إيذاء الآخرين عبر الوسائط الرقمية (وسائل التواصل الاجتماعي، البريد الإلكتروني، تطبيقات الدردشة)، من خلال الرسائل غير اللائقة، أو الابتزاز، أو نشر الصور والمعلومات الخاصة، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار.
وتابعت أن هذا الصنيع في ميزان الشريعة الإسلامية سلوكٌ محرّم؛ لما يتضمنه من انتهاكٍ للأعراض، وخدشٍ للحياء، وعدوانٍ على الكرامة الإنسانية، وقد جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً صيانة العرض، ومشددةً في تحريم كل ما يؤدي إلى انتهاكه قولًا أو فعلًا أو إشارة، وإليك بيان خطر هذه الجريمة وكيفية معالجة الشريعة الإسلامية لها.
التحرش جريمة في الشرع وفساد في الأرض
وأشارت الأوقاف، إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، مؤكدة ان التَّحَرُّش بجميعِ أَنْوَاعِهِ سواءٌ أكانَ لَفْظِيًّا أَوْ جَسَدِيًّا أَوْ بَصَرِيًّا أَوْ إِلِكْتْرُونِيًّا يُعد فِعْلًا مُحَرَّمًا شَرْعًا، وَجَرِيمَةً تُنَافِي مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِرْضِ وَصِيَانَةِ الكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، فالإسلامُ دينُ الطُّهْرِ وَالعِفَّةِ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصوصُ القُرآنِيَّةُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ تُؤَكِّدُ حُرْمَةَ كُلِّ مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَتُشَدِّدُ فِي الوَعِيدِ عَلَى فَاعِلِهِ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: ٥٨]، فهذه الآيةُ تُحَرِّمُ كُلَّ أَذًى يُوَجَّهُ إِلَى المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّحَرُّشُ الجِنْسِيُّ بِكُلِّ صُوَرِهِ، وقالَ: {قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن} [الأعراف: ٣٣].
التحرش الإلكتروني
وأوضحت، أن التحرش الإلكتروني أذى معنوي ونفسي شديد، والآية الكريمة تصف هذا الفعل بأنه بهتان وإثم مبين. "أي: والذين يرتكبون في حق المؤمنين والمؤمنات ما يؤذيهم في أعراضهم أو في أنفسهم أو في غير ذلك مما يتعلق بهم، دون أن يكون المؤمنون أو المؤمنات قد فعلوا ما يوجب أذاهم، {فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِينًا} أي: فقد ارتكبوا إثما شنيعا، وفعلا قبيحا، وذنبا ظاهرا بينا؛ بسبب إيذائهم للمؤمنين والمؤمنات ... وجمع سبحانه في ذمهم بين البهتان والإثم المبين؛ للدلالة على فظاعة ما ارتكبوه في حق المؤمنين والمؤمنات؛ إذ البهتان هو الكذب الصريح الذي لا تقبله العقول، بل يحيرها ويدهشها لشدته وبعده عن الحقيقة، والإثم المبين: هو الذنب العظيم الظاهر البين، الذي لا يخفى قبحه على أحد...".
أحاديث النبي حول التحرش
وألفتت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [متفق عليه]، وعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» [رواه مسلم] "، وفي نص الخطبة: فهذا أبو موسى الأشعري، يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل خصال الإسلام، وعن أفضل المسلمين العاملين بأفضل الخصال، ليحرص على الفضيلة ويسعى نحو الكمال الديني، ويعمل جهده ليكون من خير المسلم، ويجيبه صلى الله عليه وسلم: خير المسلمين هو الذي يمسك لسانه عن طعن الناس، ويحفظ ما بين فكيه عن الإساءة للمسلمين بالقول أو بالإشارة، وهو الذي يمسك يده وجميع جوارحه، ويحبس شرورها وأذاها، فلا يمد يده لحق الغير، ولا تمشي رجله للإضرار بأحد، ولا يتحرك فكره وقلبه للإيقاع أو الظلم أو الإيلام، المسلم الكامل هو الذي يسلم الناس من شروره وأذاه، والمؤمن الكامل هو الذي يأمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ...".
وأضافت، أنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم]، وعَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود].
خطورة اتباع خطوات الشيطان
أردفت، بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: ٢١].، فققد يظنُّ بعضُ الناس أنَّ التحرّشَ من وراء الشاشاتِ أخفُّ وطأةً، وأهونُ جرمًا من نظيره في الواقع، وذلك وَهْمٌ عظيم؛ فالمعصيةُ لا تُقاسُ بمكان وقوعها، بل بحقيقتها وأثرها، وقد بيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أبوابَ الفتنة قد تُفتَحُ بنظرةٍ أو كلمة، فقال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تتمنى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ أو يُكَذِّبُهُ» [متفق عليه]، وقال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "فالزنا لا يختص إطلاقه بالفرج، بل يطلق على ما دون الفرج من نظر وغيره" [فتح الباري]، كما قال الإمام ابن بطال: "وإنما سمى النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا؛ لما كانت دواعي إلى الزنا، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازًا واتساعًا؛ لما بينهما من التعلق" [شرح صحيح البخاري].



