عاش هنا.. محمد صفي الدين أبو العز الجغرافي الذي قرأ الأرض بعينٍ عربية
في خطوة جديدة لتكريم رموز الفكر والعلم في مصر، أدرج الجهاز القومي للتنسيق الحضاري اسم العالم الجغرافي الكبير محمد صفي الدين أبو العز ضمن مبادرة عاش هنا، التي تهدف إلى تخليد ذكرى الشخصيات المؤثرة في التاريخ الثقافي والعلمي المصري من خلال توثيق الأماكن التي عاشوا فيها ووضع لافتات تعريفية تُعرّف الأجيال الجديدة بإسهاماتهم، ويأتي هذا التكريم تقديرًا لمسيرة علمية طويلة جعلت من أبو العز أحد أبرز أعلام الجغرافيا في مصر والعالم العربي خلال القرن العشرين.
محمد صفي الدين أبو العز الجغرافي الذي قرأ الأرض بعينٍ عربية
ولد محمد صفي الدين أبو العز في 16 يناير عام 1929، ونشأ في بيئة مصرية تشبعت بروح التعليم والمعرفة، التحق بقسم الجغرافيا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، حيث حصل على درجة الليسانس عام 1948، قبل أن يتجه إلى بريطانيا لمواصلة دراساته العليا في جامعة درهام، التي نال منها درجة الدكتوراه في فلسفة العلوم البحتة والجغرافيا عام 1953، وقد شكلت تلك المرحلة العلمية المبكرة أساسًا لمدرسة فكرية جغرافية اعتمدت على الربط بين التحليل العلمي الدقيق والرؤية القومية لدور الجغرافيا في فهم قضايا المنطقة العربية.
بعد عودته إلى مصر، بدأ أبو العز مسيرته الأكاديمية أستاذًا بقسم الجغرافيا في جامعة القاهرة، حيث أسهم في تخريج أجيال من الباحثين الذين انتشروا لاحقًا في جامعات ومراكز بحثية في مختلف أنحاء العالم العربي، ولم يقتصر نشاطه العلمي على التدريس فحسب، بل امتد إلى العمل المؤسسي والبحثي، فكان له دور بارز في تطوير الدراسات الجغرافية وربطها بقضايا التنمية والموارد والبيئة.
حظي أبو العز بمكانة علمية مرموقة جعلته يتولى عددًا من المناصب الأكاديمية المهمة داخل مصر وخارجها، فقد تولى رئاسة قسم الجغرافيا في جامعة الكويت خلال الفترة بين عامي 1980 و1984، كما شغل منصب عميد كلية الآداب في جامعة الإمارات العربية المتحدة بين عامي 1984 و1985، وفي مصر، تولى رئاسة الجمعية الجغرافية المصرية، إحدى أعرق المؤسسات العلمية في مجال الدراسات الجغرافية، والتي تأسست عام 1875، حيث قاد نشاطها العلمي وأسهم في تنظيم مؤتمرات وندوات تناولت قضايا البيئة والموارد والتنمية.
كما شغل أبو العز منصب مدير معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية في أكثر من فترة، وكان لقيادته دور كبير في تعزيز الدور العلمي للمعهد وتحويله إلى منصة للحوار الفكري والبحثي بين العلماء والمفكرين العرب، وخلال تلك الفترة شهد المعهد إصدار العديد من الكتب والدراسات في مجالات التاريخ والاقتصاد واللغة والجغرافيا، إضافة إلى استضافة عدد من الندوات الفكرية التي شارك فيها باحثون من مختلف الدول العربية.
ولم تقتصر مسيرة أبو العز على المجال الأكاديمي فقط، بل امتدت إلى العمل العام؛ إذ تولى منصب وزير الشباب في عهد الرئيس جمال عبد الناصر عام 1968، كما ترأس المجلس الأعلى للكشافة والمرشدات، في مرحلة شهدت اهتمامًا متزايدًا ببناء قدرات الشباب وتعزيز دورهم في المجتمع.
ترك أبو العز رصيدًا علميًا ثريًا من المؤلفات والدراسات التي تناولت قضايا الجغرافيا الطبيعية والبشرية والاقتصادية في مصر والعالم العربي، ومن أبرز كتبه "الموارد الاقتصادية"، و"الوطن العربي: خصائصه الطبيعية والبشرية"، و"الموارد المعدنية في الوطن العربي"، و"تقلبات المناخ العالمي وأبعادها الاقتصادية والسياسية"، إضافة إلى كتابه "أشكال الأرض في مصر" الذي صدر باللغة الإنجليزية، وكتاب "الجزر والسواحل العربية"، وقد تميزت هذه الأعمال بقدرتها على الجمع بين التحليل العلمي والرؤية الاستراتيجية لدور الجغرافيا في فهم العلاقات بين الإنسان والبيئة.
كما شارك أبو العز في عدد كبير من المؤتمرات العلمية العربية والدولية، من بينها مؤتمر القانون والسكان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالقاهرة عام 1976، ومؤتمر مصر سنة 2000 في العام نفسه، والمؤتمر الدولي لتاريخ الأندلس في قرطبة، إضافة إلى مشاركته في الإعداد العلمي لندوة المستقبل العربي في بيروت عام 1983، ومؤتمر حماية المقدسات والتراث في فلسطين بالقاهرة عام 1988.
وبفضل إسهاماته العلمية الواسعة، حصل أبو العز على العديد من الجوائز والتكريمات، من أبرزها جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية التي منحها له المجلس الأعلى للثقافة عام 1990، إضافة إلى وسام الشرف العالمي عام 2008 الذي يمنحه الاتحاد الجغرافي الدولي للعلماء المتميزين في مجال الدراسات الجغرافية والبيئية.
تميز منهج أبو العز العلمي بنظرة شمولية للجغرافيا باعتبارها علمًا يرتبط مباشرة بقضايا التنمية والهوية القومية. فقد كان يرى أن الموقع الجغرافي لمصر يمنحها دورًا محوريًا في محيطها العربي، وأن فهم الجغرافيا يمكن أن يسهم في تعزيز الروابط بين الدول العربية ودعم مسارات التعاون والوحدة والتقدم، ومن هذا المنطلق، دعا إلى تنمية الحس القومي لدى الأجيال الجديدة من خلال تدريس الجغرافيا بوصفها علمًا يفسر الواقع ويساعد على التخطيط للمستقبل.
رحل محمد صفي الدين أبو العز عام 2015، لكنه ترك وراءه إرثًا علميًا وفكريًا لا يزال حاضرًا في الجامعات ومراكز البحث العربية، ومع إدراج اسمه ضمن مبادرة "عاش هنا"، يتجدد الاعتراف بدور هذا العالم الذي قرأ تضاريس الأرض بوعي علمي عميق، وربط بين الجغرافيا وقضايا الإنسان والتنمية في الوطن العربي، ويظل تكريمه اليوم رسالة تقدير لعلماء مصر الذين أسهموا بعلمهم في بناء المعرفة وترسيخ مكانة البحث العلمي في المنطقة.