المواقف الكبيرة التي يمر بها أي إنسان أو تمر بها أية دولة، تحتاج مواقف واضحة مع الدول الصديقة، ولا لبس فيها، وعدم الوقوف في مقعد المحايدين، ودائمًا نستدعي الماضي ونفكر بعقولنا وعلى أسوة الأمور (مصلحتنا)، ولا نفكر بقلوبنا أو مشاعرنا خاصة إذا كانت هذه المواقف تجاه دول أشقاء لهم ولنا مواقف حاسمة متبادلة.
هذه المقدمة، ردًا على مقالة للأستاذ الكاتب أسامة الغزالي حرب التي نشرها على صفحته، ولا أدري هل تمكن من نشرها في صحيفة أم أكتفى بالفيسبوك.. وهاجم خلالها بشكل واضح دول الخليج وأخذ يبرر القصف الإيراني لهم، وقال إن دول الخليج لا تقدر على الحمار (أمريكا)، وبتشرط على البردعة (إيران) على حد وصفه بمقالته.. ووصل الأمر بالسيد الغزالي، إلى انتقاده السيدي لبيان أصدره الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط والذي وصف فيه أبو الغيط "الهجمات الإيرانية على دول عربية" بأنها "متهورة"، وداعيًا طهران إلى تدارك " الخطأ الإستراتيجى الهائل".
كلمات الكاتب الغزالي يعبر عن رأيه فقط وهذا حقه، وإن كنت استشعر بعض المشاعر المختلطة من جانب البعض، فتارة يؤيدون على استحياء إيران بسبب استقواء إسرائيل (العدو الحقيقي) وأمريكا، وتارة يهللون وراء قصف القواعد العسكرية في دول الخليج.
ولكن عندما نقف مع أنفسنا ولو 10 دقائق ونستحضر مقارنة سريعة وبسيطة بين المواقف الإيرانية تجاه مصر، ومواقف دول الخليج تجاه بلدنا الحبيب..
فنسأل: متى كانت إيران ظهيرًا للأمن القومي المصري؟، وهل تعتبر إيران خطرًا جسيمًا على أمن الخليج العربي الذي يعتبر قوة مساندة لمصر؟.. فمنذ الثورة الإيرانية عامل 79 أي منذ 47 عامًا، والشارع الرئيسي بطهران يحمل اسم خالد الإسلامبولي، قاتل رئيسنا الراحل العظيم محمد أنور السادات.. ومن يحاسب إيران على إيواء الإرهابيين المصريين فترة التسعينات، وهل نسينا تمويل إيران لخلية حزب الله بقيادة سامي شهاب عام 2008 لتفجير المجرى الملاحي لقناة السويس، وتمويلها للحوثيين لاستهداف الملاحة البحرية المؤدية لقناة السويس؟
وهل ننسى على مشاركتها الصريحة مع الاخوان وحماس في اقتحام السجون في يناير 2011؟، وهل نتناسى تمويلها لمحاولات المد الشيعي في مصر قبل يناير 2011؟؛ وهل ننسى وقفة مصر الحاسمة مع الأشقاء بقيادة الفريق الجمسي على الجبهة العراقية لوقف أطماع إيران لتحويلها من الخليج العربي إلى الخليج الفارسي؟؛ وأضف إلى كل ذلك، هل إيران اعترفت بثورة 30 يونيو أم كانت داعمة طوال الوقت للإخوان حماس.
وبالنسبة لأشقاءنا العرب، فمن يحاسب إيران على جرائمها ضد المسلمين السُنة عقب اسقاط صدام حسين بالعراق، ومن يحاسبها على مشاركتها في اغتيال سعد الحريري..
أما بالنسبة للأشقاء في دول الخليج الحبيبة، فكانوا أكثر الداعمين ماليًا ولوجيستيًا منذ ثورة 30 يونيو، وقادرًا جهودا دبلوماسية لا تنسى متمثلة في وزراء خارجيتهم لرفع الحصار عن مصر وإثبات أن ما حدث بمصر ثورة حقيقة وليس انقلابًا، فضلًا عن جهودهم في حصار أنشطة الإخوان في بعض الدول، ودعمهم لمصر بالودائع لكي تقف على قدميها مجددًا بعد ان أنقذها الرئيس السيسي من خطر الإخوان، والاستثمارات التي تم ضخها ومن بينها رأس الحكمة وعلم الروم وخلافه.
لإيران كما لإسرائيل مشروع توسعى بالعمق العربي، وتوغلت عبر وكلاءها بالمنطقة في اليمن والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان وخلافه.
إيران تمتلك بالفعل ومنذ عشرات السنوات مشروع يتسق مع مشروع الجماعات التكفيرية المتطرفة السنية قبل الشيعية مثل الإخوان والقاعدة، لفرض نظام أحادي يحكم بالحديد والنار ويرفض التنوع والتعددية ويهمش ويفطط الجيوش الوطنية ويستبدلها بحرس ثوري ديني لضمان الاستمرار في الحكم بالإرهاب والقوة الجبرية، فبكل تأكيد تسعى إيران لإسقاط دول الخليج ومصر، واستبداله بحكم الجماعات التابعة لإيران، وهو المخطط الذي كانت جماعة الإخوان الإرهابية تنفيذه في مصر. فالكوارث التي جلبتها إيران للمنطقة منذ ما يعرف بطوفان الأقصى ، كان المستفيد الأكبر منها إسرائيل.
أيها السادة من كتاب الرأي والمحللين والمتعاطفين ومن لديهم لبس في الرؤية والبصيرة أو تحفظات على ما يدور حولنا في السودان أو غيرها من القضايا الأخرى إلا أنه يظل الجميع مطالب بتنحية الخلافات جانبًا.. فإيران لم ولن تكون داعمة للموقف المصري منذ 47 عامًا وحتى الآن، وأمننا القومي مع دول الخليج بشكل واضح لا لبس فيه، وبكل تأكيد يحتاجون مننا جميعًا موقفًا حاسمًا تجاههم والتنازل بشكل حاسم وواضح عن مقعد المحايدين.

