في نهار رمضان.. ما حكم استعمال السواك ومعجون الأسنان للصائم؟
ما حكم استعمال السواك، ومعجون الأسنان، للصائم في نهار رمضان؟ وما الحكم إذا ابتلع الصائم شيئا من ماء المضمضة أو المعجون؟، الشيخ السيد مرعي زاهر واعظ عام وعضو لجنة الفتوى بالأزهر.
حكم استعمال السواك للصائم
أولا: يباح للصائم استعمال السواك قبل الزوال (الظهر)، باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، واختلفوا بعد الزوال على قولين: فذهب السادة الحنفية، والسادة المالكية، وأحمد في رواية، وهو قول الإمام النووي من الشافعية ، إلى جوازه مطلقا، في أي وقت أثناء الصيام، سواءٌ كان قبل الزوال أو بعدَه، وهذا القول هو المختار للفتوى؛ وذلك لعموم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا أنْ أشقَّ على أمتي ، لأمرتُهم بالسِّواكِ عند كلِّ صلاةٍ . حيث إنه لم يفرق بين استعماله للصائم وغيره ، أو قبل الزوال وبعده .
وفي رواية مع كلِّ وُضوءٍ .
وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : السِّواكُ مَطهرةٌ للفَمِ، مَرضاةٌ للربِّ .
بينما كره السادة الشافعية، والسادة الحنابلة في المشهور، استعماله للصائم بعد الزوال (الظهر)، حفاظاً على رائحة خلوف فم الصائم، لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فهذه الرائحة محببة إلى رب العالمين، أثناء الصيام. قال الإمام النوويُّ رحمه الله تعالى: وللشَّافعي قولٌ غريب: أنَّ السِّواكَ لا يُكره في كلِّ صَومٍ، لا قبلَ الزَّوالِ ولا بَعدَه. وقال الإمام النووي أيضا في المجموع: وحكى أبو عيسى في جامِعِه في كتابِ الصِّيامِ عن الشافعي رحمه الله، أنَّه لم يَرَ بالسِّواكِ للصَّائِمِ بأسًا أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه ، وهذا النقلُ غريبٌ، وإن كان قويًّا من حيثُ الدَّليلُ، وبه قال المُزَني وأكثَرُ العلماءِ، وهو المختارُ .
وقال الإمام ابنُ عبدِ البَرِّ رحمه الله تعالى في التمهيد : اختلف الفُقَهاءُ في السِّواكِ للصَّائِمِ، فرخص فيه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، والثوري والأوزاعي وابن عُلَيَّة، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير، ورُوِيَت الرخصة فيه عن عمر وابن عباس، وليس عن واحدٍ منهم فرقٌ بين أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِه ، ولا بين السِّواكِ الرَّطْبِ واليابِسِ.
وقال الإمام ابن المُنذِر رحمه الله تعالى في الإشراف: واختلفوا في السِّواكِ للصَّائم، فرخَّصَ في السِّواكِ للصَّائِمِ بالغُدوة وبالعَشِيِّ النَّخعيُّ ، وابنُ سيرين ، وعروة بن الزبير، ومالك، وأصحاب الرأي. ورُوِيَت الرخصةُ فيه عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس، وعائشة.
وقال الإمام ابن قدامة: «إلَّا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا، فَيُمْسِكَ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ السِّوَاكُ بَعْدَ الزَّوَالِ ، وَهَلْ يُكْرَهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا يُكْرَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : يَسْتَاكُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الظُّهْرِ، وَلَا يَسْتَاكُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ السِّوَاكَ إنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِإِزَالَةِ رَائِحَةِ الْفَمِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَإِزَالَةُ الْمُسْتَطَابِ مَكْرُوهٌ ، كَدَمِ الشُّهَدَاءِ وَشَعَثِ الْإِحْرَامِ».
وَالثَّانِيَةُ لَا يُكْرَهُ ، وَرَخَّصَ فِيهِ غَدْوَةً وَعَشِيًّا النَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ، لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِي السِّوَاكِ ، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ.
وتابع: يجوز للصائم استعمال معجون تنظيف الأسنان ، أثناء الصيام ، لكن بدون مبالغة ، حتى لا يصل شئ من الماء أو المعجون إلى الجوف ؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وبالِغْ في الاستِنشاقِ إلَّا أن تَكونَ صائمًا، والأفضل تأجيل استعمال معجون الأسنان إلى الليل ، من بعد المغرب إلى الفجر.
وبين حكم من ابتلع شيئا من ماء المضمضة أو المعجون أثناء الصيام:
١ـ إذا تعمد ذلك بطل صومه باتفاق الفقهاء ، فقد اتفق الفقهاء على أنَّ تعمُّد تناول المفطِّرات مع تذكر الصيام ناقضٌ للصوم .
٢- مَن سَبَقَهُ ماءُ المضمضة إلى الحلق في وضوئه لصلاة الفريضة دون قصدٍ منه أو مبالغةٍ في المضمضة : اختلف الفقهاء فذهب السادة الحنفية والسادة المالكية ، والسادة الشافعية في قولٍ ، إلى فساد صومه ، وأنه يجب عليه القضاء ، ولم يفرقوا في ذلك بين المبالغة في المضمضة وعدمها ؛ لأن الماء لا يسبق إلى الحلق في المضمضة عادةً إلا عند المبالغة فيها ، والمبالغة مكروهة في حق الصائم ؛ فكان متعديًا فلم يعذر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقيط بن صبرة رضي الله عنه : وَبَالِغْ فِي الِاستِنشَاقِ إِلَّا أَن تَكُونَ صَائِمًا.
وذهب السادة الشافعية في المعتمد، والحنابلة إلى عدم فساد صوم مَن سبقه ماء المضمضة إلى حَلْقِهِ أثناء الوضوء للفريضة دون قصدٍ منه في الصيام الواجب ما دام المتوضئ لم يبالغ في المضمضة، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال الأوزاعي ، وإسحاق ، وعطاء بن أبي رباح ، وهو مذهب ابن أبي ليلى، وحماد ، والشعبي، والحسن بن حي، وهذا القول هو المختار للفتوى ، فيتم صومه ، وإن كان القضاء في هذه الحالة مستحبا ؛ احتياطًا للعبادة ، وخروجًا من الخلاف ، فالْخُرُوج مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ ، والعبادة إذا صَحّت عند الجميع أفضل من أن تصح عند طائفةٍ وتَبطُل عند أخرى ، فإنَّ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ أَصْلٌ ؛ فيستحب القضاء إن تيسر له ذلك ، فإن شقَّ عليه القضاء فله أن يقلد من قال بصحة الصوم.
وإن بالغ في المضمضة ؛ ففيه وجهان عند الشافعية والحنابلة: الأول - وهو معتمد الشافعية -: أنه يفطر بذلك ؛ لأن المبالغة منهي عنها حال الصيام ، ولأنه أشبه التعمد. والثاني: لا يفطر؛ لأنه فعله عن غير قصدٍ واختيار، واستحب الإمام أحمد له القضاء.
قال السرخسي الحنفي في المبسوط : النهي عن المبالغة التي فيها كمال السُّنة عند الصوم دليلٌ على أنَّ دخول الماء في حلقه مفسدٌ لصومه ، ولأن ركن الصوم قد انعدم مع عذر الخطأ ، وأداء العبادة بدون ركنها لا يُتصوَّر. وجاء في المدونة للإمام مالك : قلتُ : أرأيت مَن تمضمض فسبقه الماء فدخل حلقه أعليه القضاء في قول مالك؟ فقال: إن كان في رمضان أو في صيام واجب عليه فعليه القضاء ولا كفارة عليه، وقال الخطيب الشربيني الشافعي في مغني المحتاج في الصائم إذا سبقه ماء الوضوء إلى حَلْقِهِ مِن غير قصدٍ : قيل : يفطر مطلقًا.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي في أسنى المطالب : (فرع: لا يفطره ولا يمنعه من إنشاء صوم نفل) بالنهار (سبق ماء المضمضة والاستنشاق المشروعَين) إلى باطنه أو دماغه (إن لم يبالغ فيه) أي : في كل منهما ؛ لأنَّه حسَا من مأمورٍ به بغير اختياره. وقال الإمام ابن قدامة في المغني: وإن تمضمض، أو استنشق في الطهارة ، فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف ، فلا شيء عليه. وبه قال الأوزاعي ، وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه. وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.
قال الخطيب الشربيني الشافعي في مغني المحتاج: (ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق) المشروع (إلى جوفه) من باطن أو دماغ (فالمذهب أنه إن بالغ) في ذلك ( أفطر)؛ لأن الصائم منهي عن المبالغة كما سبق في الوضوء .. وقيل : لا يفطر مطلقا لعدم الاختيار.
وقال الإمام ابن قدامة في المغني: فأما إن أسرف فزاد على الثلاث، أو بالغ في الاستنشاق ، فقد فعل مكروهًا ... لأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلقه، فإن وصل إلى حلقه ، فقال أحمد: يعجبني أن يعيد الصوم. وهل يفطر بذلك؟ على وجهين: أحدهما: يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن المبالغة حفظًا للصوم ، فدل على أنه يفطر به ، ولأنه وصل بفعل منهي عنه، فأشبه التعمد. والثاني: لا يفطر به ؛ لأنه وصل من غير قصد، فأشبه غبار الدقيق إذا نَخَلَهُ.



