اضطرابات النوم بعد الستين.. الأسباب والحلول لتحسين جودة النوم
في سنوات الشباب كان النوم يأتي بسهولة مهما كانت الظروف، حتى وسط الضجيج والصخب لكن مع التقدم في العمر، تغدو ليلة الراحة أكثر هشاشة يكفي صوت في الشارع، أو شخير، أو تسلل ضوء، أو حتى تغير في نمط الحياة، ليقطع نوما كان عميقا ومتواصلا
ووفق تقرير نشرته صحيفة «التلغراف»، يقول غاي ليشزينر، أستاذ علم الأعصاب وطب النوم في مستشفى «غايز اند سانت توماس» بلندن: «مع التقدم في السن، تصبح الدوائر العصبية في الدماغ المسؤولة عن الحفاظ على النوم واستقراره أقل فاعلية، ويشمل ذلك تغيرات في مستويات الميلاتونين».
وثمة تغير كبير اخر يتمثل في أن الساعة البيولوجية للجسم تتحول بشكل ملحوظ بعد سن الستين يميل الشخص، في المتوسط، إلى الخلود للنوم قبل نحو ساعتين مقارنة بسنوات أواخر المراهقة وبداية العشرينات، وغالبا ما يستيقظ في وقت مبكر من الفجر، عند الثالثة أو الرابعة صباحا
ويعتقد أن هذا التحول يرتبط بتغيرات في الهرمونات الجنسية الإستروجين لدى النساء، والتستوستيرون لدى الرجال.
ويقول راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب المتخصص في الإيقاع اليومي بجامعة أكسفورد: «في الستينات من عمرك تصبح أوقات نومك واستيقاظك قريبة من تلك التي كنت تعتمدها عندما كان عمرك 11 أو 12 عاما».
حتى لو كنا نعمل أقل، فإننا لا نزال بحاجة إلى راحة كافية. يقول ليشزينر: «تشير الأدلة العلمية إلى أننا على الأرجح لا نحتاج في الستينات من العمر، إلى قدر أقل بكثير من النوم مقارنة بما كنا نحتاجه في الأربعينات لكننا نصبح أقل قدرة على تحقيقه».
ويضيف: «ينبغي أن ينصب التركيز على إيجاد التوازن الصحيح بين زيادة مدة النوم وتحسين جودته، من دون الوقوع في دوامة قلق مفرطة بشأنه».
فكيف يمكن إعادة النوم إلى المسار الصحيح؟
1- التعرض للضوء في وقت مبكر من المساء
يفيد نحو ثلث كبار السن بأنهم يعانون الاستيقاظ المبكر و/أو صعوبة في مواصلة النوم بشكل منتظم. ويساعد التعرض لمزيد من الضوء خلال النهار في تحسين النوم ليلا عبر تعزيز إفراز الكورتيزول وكبح الميلاتونين، وهما عاملان ينظمان دورة النوم والاستيقاظ.
يقول ليشزينر، وهو أيضا مؤلف كتاب «The Secret World of Sleep»: «إذا تعرضت لضوء ساطع جدا في الصباح فور استيقاظك، فسيؤدي ذلك إلى تقديم إيقاعك البيولوجي، ما يجعلك تشعر بالنعاس في وقت أبكر».
وإذا كان المساء مظلما يمكن استخدام مصباح علاج بالضوء ساطع للمساعدة في تنظيم الإيقاع اليومي، والتخفيف من الاضطراب العاطفي الموسمي، وعلاج اضطرابات النوم المرتبطة بنظام المناوبات أو اضطراب فرق التوقيت ويساعد استخدام المصباح في أوائل المساء، الأشخاص ذوي النمط الصباحي، في تأخير موعد نومهم.
2- الالتزام بروتين ثابت
بحسب فوستر، فإن من أسهل الطرق للحصول على نوم جيد هو الذهاب إلى السرير، والاستيقاظ في الوقت نفسه يوميا فهذا الانتظام يعزز التعرض للإشارات البيئية خصوصا الضوء إضافة إلى مواعيد الطعام والتمارين التي تساعد في ضبط الساعة البيولوجية.
ويؤكد ليشزينر أن «جودة النوم لا تقل أهمية عن مدته». ويضيف: «من الأمور الشائعة لدى المتقاعدين أنهم يستيقظون في الوقت الذي يرغبون فيه، ما يؤدي إلى تذبذب مواعيد النوم، وهو أمر لا يخدم جودة النوم عموما. حاول الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة قدر الإمكان».
كما أن النوم المتأخر في عطلة نهاية الأسبوع يربك الإيقاع اليومي، فتشعر كأنك تعاني اضطراب فرق التوقيت عند بداية الأسبوع وتشير الدكتورة ألي هير استشارية طب النوم والتهوية، إلى أن هذا الاضطراب يرتبط أيضا بزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية ومتلازمة الأيض، بما في ذلك مشكلات تنظيم سكر الدم وزيادة الوزن.
النظام الغذائي أيضا إشارة فعالة إلى تنظيم الساعة البيولوجية تقول هير: «يمكنك استخدام نوعية الطعام وتوقيت تناوله لضبط الإيقاع اليومي. لدينا ساعات بيولوجية في أمعائنا، وإحدى الطرق التي يحدد بها الدماغ وقت اليوم هي من خلال ما إذا كنت تتناول وجبة عشاء دسمة، أم وعاء من حبوب الإفطار».
3- تناول العشاء باكرا
يؤدي تناول وجبة متأخرة أو دسمة وغنية بالسكر والدهون، إلى جعل النوم أخف ينشغل الجسم بهضم الطعام بدلا من التركيز على العمليات الحيوية التي يفترض أن تتم أثناء النوم.
وينصح فوستر قائلا: «وجبة عشاء غنية بالبروتين، مثل البيض المسلوق أو الفاصولياء المطهية على خبز محمص، تعتبر خيارا مثاليا» كما يفضل الحد من تناول الكافيين بعد الساعة الثانية ظهرا.
وتضيف هير: «الكحول على وجه الخصوص يعرقل نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي المرحلة التي ترسخ فيها الذاكرة، لذلك يصبح تأثيره أكثر إشكالية مع التقدم في العمر».
4- التوقف عن شرب السوائل قبل النوم بساعتين
يقول فوستر: «السؤال الذي أسأل عنه كثير بشأن النوم هو: كيف أتوقف عن الاضطرار للاستيقاظ ليلا للتبول؟»، أو بصيغة طبية، كيفية تجنب التبول الليلي.
ويشرح أن هرمون «فازوبريسين» ينظم إنتاج البول، وأن إيقاع إفرازه يتغير مع التقدم في العمر، لذلك ينصح بمراجعة الطبيب العام لمناقشة إمكانية استخدام «ديسموبريسين»، وهو هرمون صناعي يساعد في التحكم بالتبول الليلي من خلال محاكاة تأثير «فازوبريسين».
ويشير فوستر أيضا إلى أهمية فيتامين «د» للنوم لدى كبار السن ويقول: «نعلم أن الضوء ضروري لبدء تصنيع فيتامين (د)، لكن معظم زجاج النوافذ يحجب أشعة (UVB) التي تحتاجها البشرة لإنتاج هذا الفيتامين. لذلك فإن الجلوس قرب النافذة قد يكون مفيدا لصحتك البيولوجية تحصل على دفعة الضوء الصباحية التي تضبط الساعة الداخلية لكنه لا يوفر التعرض الكافي لأشعة (UVB) اللازمة لتصنيع فيتامين (د)».
5- إعادة تدريب الدماغ
بحسب ليشزينر، نحن كائنات اعتادت على الأنماط المتكررة. ويوضح: «بالنسبة لمن ينامون جيدا هناك ارتباط شبه شرطي بين السرير والنوم فالسرير مكان مريح ومهيأ للراحة».
لكن إذا تعرض النوم لاضطراب لفترة طويلة، سواء لأسباب بيولوجية مثل انقطاع الطمث، أو نتيجة فترة ضغط نفسي كبير، فإن هذه الارتباطات الإيجابية تتفكك، لتحل محلها ارتباطات قوية تجعل السرير مكانا لليقظة والقلق وعندها تتحول المشكلة إلى نبوءة تحقق ذاتها.
ويضيف ليشزينر: «لهذا السبب اتجهت العلاجات في السنوات الأخيرة، إلى أساليب غير دوائية لمعالجة الأرق، أبرزها العلاج السلوكي المعرفي للأرق (CBT-I)، وهو في جوهره شكل من إعادة تدريب الدماغ، يهدف إلى كسر الارتباطات السلبية بالسرير، وإعادة بناء ارتباطات إيجابية ونعلم أنه يساعد نحو 80 في المائة من الأشخاص».
وعلى المدى القصير، يصف الطبيب مكملات الميلاتونين، أو يوصي بالعلاج السلوكي المعرفي لإعادة ترسيخ نمط نوم صحي ويشير إلى أن من العناصر الأساسية في هذا العلاج: مغادرة السرير والانتقال إلى غرفة أخرى للقراءة أو الاستماع إلى الموسيقى، إذا بقي الشخص مستيقظا لأكثر من 20 دقيقة إضافة إلى فترة قصيرة يشجع فيها على تقليل النوم جزئي لإعادة ضبط الإيقاع الطبيعي.
6- ممارسة الرياضة بذكاء
يمكن لممارسة الرياضة بأي شكل أن تساعد في تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ وتقليل الأرق، إذا كانت في الهواء الطلق وتحت ضوء طبيعي صباحا.
وتوضح هير أنه مع التقدم في العمر يضعف ما يعرف بالدافع الاستتبابي للنوم من المفيد زيادة الحركة خلال النهار فكما تفرغ البطارية تدريجيا كلما طالت فترة الاستيقاظ، تراكم في الدماغ مركب يسمى الأدينوسين، ما يخلق ما يعرف بضغط النوم ويدفع الجسم إلى الشعور بالنعاس.
7- لا تفرط في القلق بشأن النوم
من المهم عدم تحويل التغيرات الطبيعية المرتبطة بالعمر في النوم إلى مشكلة مرضية. يقول Russell Foster: «نتعامل أحيانا مع النوم كما لو كان وحشا متمردا يجب إخضاعه بالقوة، بينما من الأفضل أن ننظر إليه بوصفه دمية لطيفة قد يصعب احتضانها أحيانا».
وتتفق هير مع ذلك، مشيرة إلى أنه لا ينبغي توقع النوم كما في سن العشرين فعدد ساعات النوم ينخفض عادة من 7 - 8 ساعات إلى 6 - 7 ساعات ليلا والاستيقاظ عند الرابعة أو الخامسة صباحا يعتبر أمرا طبيعيا نسبيا في الستينات.
وتؤكد أهمية ألا يتحول النوم إلى مصدر قلق إضافي فليلة سيئة بين الحين والآخر لن تكون كارثية وتنصح بترك منطقة عازلة لمدة من 30 إلى 60 دقيقة بين العمل أو وسائل التواصل أو متابعة الأخبار وكل ما يزيد القلق ووقت النوم.
أما إذا كان الذهن ينشغل بقوائم المهام فتقترح استراتيجية تعرف بالتحكم المعرفي والقلق البناء، عبر تدوين كل ما يشغل التفكير في دفتر مخصص، بطريقة منظمة، ما يساعد في تخفيف الشعور بالعجز.
8- قَصر القيلولة إلى 30 دقيقة
تكون القيلولات الطويلة غير مفيدة، يمكن أن تترك الشخص في حالة خمول وتراجع في اليقظة تعرف بخمول النوم كما أن القيلولة خلال الساعات الست التي تسبق موعد النوم تقلل من ضغط النوم المتراكم خلال النهار.
ويقول ليشزينر: «بصراحة إذا قال لي شخص في الستينات أو السبعينات إنه يستطيع النوم في أي وقت وأي مكان فإن ذلك يثير قلقي» ويوضح أن هذا يشير إلى اضطراب نوم مثل انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، المرتبط بالتقدم في العمر وزيادة الوزن، أو ربما إلى مشكلات عصبية تؤدي إلى نوبات نوم نهارية.
ويشير بعض الأدلة إلى أن القيلولات المتكررة تكون مؤشر مبكر على أمراض تنكسية عصبية مثل باركنسون.
9- الحذر من أجهزة تتبع النوم
لا يتحمس الخبراء كثيرا لأجهزة تتبع النوم الاستهلاكية، تزيد القلق المرتبط بالنوم فقياس مراحل النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة عبر هذه الأجهزة ليس دقيق دائما.
وتوضح هير أن معظم هذه الأجهزة تعتمد على خوارزميات الحركة، لا على تغيرات موجات النبض، «فإذا بقيت ساكنا جدا قد يفترض الجهاز أنك نائم».
وتضيف: «وجدنا أيضا أنه إذا أخبرنا شخصا نام جيدا بأن بياناته تظهر أنه لم ينم جيدا فسيتصرف كأن ذلك صحيح سيشعر بسوء النوم، ويؤدي أداء أضعف في اختبارات الإدراك» لذلك يبقى المؤشر الأهم هو شعورك عند الاستيقاظ، قبل النظر إلى التطبيق.
ويتفق فوستر مع ذلك، مشيرا إلى أن معظم تطبيقات النوم طورت واختبرت على طلاب جامعات شباب، لا على فئات متقدمة في العمر.
10- خذ حماما دافئا قبل النوم
يشير ما يعرف بتأثير الحمام الدافئ إلى أن خفض حرارة الجسم الداخلية قبل النوم، يحسن جودة النوم، وفقا لماثيو واكي، أستاذ علم الأعصاب وعلم النفس في جامعة كاليفورنيا بيركلي.
فعند الخروج من حمام دافئ (نحو 41 درجة مئوية)، تنخفض حرارة الجسم الأساسية بسرعة، ما يزيد مدة النوم العميق بنحو 18 دقيقة، ويقلل وقت الاستيقاظ أثناء الليل بنحو 20 دقيقة.