التجديد أم التبديد؟ أستاذ بالأزهر يحذر من عبث القراءات الحداثية بالدين
أكد محمود عبد الرحمن، أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أن هناك فرقًا كبيرًا بين التجديد والتبديد، موضحًا أن التجديد يعني إصلاح الشيء وإحياءه ورده إلى مقصده الصحيح، بينما التبديد هو إضاعته وتفريغه من مضمونه.
وخلال ندوة «ملامح التجديد في التراث الإسلامي»، التي استضافتها الكلية في ختام الأسبوع الدعوي، أوضح أن التجديد في الدين ليس شعارًا يرفعه الناس ولا دعوة شخصية يتصدر لها من يشاء، وإنما هو اصطفاء وتوفيق من الله، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها»، مبينًا أن هذا يدل على أن التجديد تحوطه عناية إلهية، خاصة مع تغير الأزمنة وتبدل الأحوال وظهور قضايا جديدة تحتاج إلى فهم صحيح وتنزيل سليم لأحكام الشرع.

وأشار إلى أن التجديد منهج قرآني أصيل، فالقرآن نزل لبيان الحق للناس، قال تعالى: «لتبين للناس ما نُزِّل إليهم»، وكانت أول كلمة في الوحي قوله تعالى: «اقرأ»، في إشارة واضحة إلى أن هذا الدين يقوم على العلم والمعرفة، وأن رسالته رسالة وعي، لافتًا إلى أن كثيرًا من الآيات توجه إلى طلب العلم وضبط أدوات الفهم، وأن تعطيل أدوات المعرفة أو إهمال العقل ذنب عظيم، مستشهدًا بقوله تعالى: «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير»، مؤكدًا أن كل عائق يحول بين الإنسان وبين المعرفة يعد ذنبًا، وأن طمس فطرة الإذعان للحق والتلاعب بالعقول يؤدي إلى ضياع الحقائق وانحراف الفهم.
وأوضح أن الناس في العصر الحديث تجاه قضية التجديد على نوعين، فريق يريد تجديد كل شيء بلا ضوابط ولا مرجعية فيسعى إلى تغيير الثوابت قبل المتغيرات، وفريق آخر يتحدث عن التجديد بغير علم ولا أدوات فيقع في أخطاء منهجية جسيمة، فمنهم من يتمسك بظاهر نص يحتاج إلى تأويل وفهم عميق، ومنهم من يوسع ما حقه التضييق أو يضيق ما وسعه الشرع، أو يستعمل التيسير في موضع الاحتياط والعكس.

آفة العصر أن يتحدث في الدين من لا يحسن فهمه
وأضاف أن آفة العصر أن يتحدث في الدين من لا يحسن فهمه، لأن التعامل مع النصوص دون علم أو منهج قد يؤدي إلى هدم الشريعة من حيث لا يشعر صاحبه، مؤكدًا أن الفهم السليم هو الأساس في حفظ الدين وصيانته من الغلو أو التفريط، كما لا يقل خطرًا عن ذلك من يغلق الباب على التجديد، لأن التجديد من مقومات صيرورة هذا الدين ولكن بضوابط وأن يقوم به أهله.
وبين أن الإنسان لا يوصف بالعلم إلا إذا توفرت فيه أربعة شروط، أولها أن يكون ملمًا بقواعد العلم الذي يتخصص فيه إلمامًا تامًا مدركًا أصوله ومسائله على وجه صحيح، وثانيها أن يحسن عرض علمه والتعبير عنه بوضوح ودقة، وثالثها أن يكون عالمًا بما ينشأ عن هذا العلم سواء في جذوره أو فروعه، لأن العلم الحق ما كان مرتبطًا بالعمل والفهم السليم، أما الشرط الرابع فهو أن يكون قادرًا على الرد على الاعتراضات ودفع الشبهات بالحجة والمنهج المنضبط.
وأكد أن غير المتخصص لا يستطيع النفاذ إلى دقائق المعاني، وأن النصوص المقدسة لا ينبغي التعامل معها على أنها نصوص عادية، بل يجب فهمها في إطار قدسيتها وضوابطها العلمية.
ولفت إلى أن علماء المسلمين تميزوا بعبقرية فذة في خدمة العلوم، فكانوا قادرين على جمع المسائل الكبرى في عبارات موجزة يسهل حفظها، كألفية ابن مالك في النحو والشاطبية في القراءات، حيث صاغ العلماء القواعد والأصول في أبيات تحمل رموزًا تختصر أبوابًا كاملة من العلم، وبمجرد مراجعة هذه المنظومات يستحضر القارئ فرعًا كاملًا من فروع العلم بأصوله ومسائله، وهو ما يعكس وعيًا بأهمية التيسير وضبط المعرفة وحسن تنظيمها.
جاء ذلك خلال اختتام فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن عشر الذي نظمته اللجنة العليا للدعوة بالتعاون مع كليات جامعة الأزهر تحت عنوان: «القراءات الحداثية وخطرها على الأمن المجتمعي».







