عاجل

شبهات التنويريين| أزهري يحسم الجدل في قضية أركان الإسلام 3

العشماوي وعادل عصمت
العشماوي وعادل عصمت

واصل محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر، الرد على عادل عصمت، في زعمه أن أركان الإسلام ثلاثة. 

هل أركان الإسلام ثلاثة؟ 

وقال: استمعت إلى عادل عصمت، في مقطع قصير، يزعم فيه أن المسلمين حرفوا دينهم، حين جاؤوا بمروية في السنة النبوية، تقول بأن أركان الإسلام خمسة، وقدموها على آيات القرآن التي جعلت أركان الإسلام ثلاثة. 

وتابع: ثم استدل بالآية الكريمة رقم ٦٢ من سورة البقرة: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ".

وأضاف للرد عليه نقول:

أولا: هناك فرق بين الإيمان والإسلام، وقد فرق القرآن بينهما، في نحو قوله تعالى: "قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ".

والآية التي ذكرها عصمت تتحدث عن الإيمان، بينما المروية المشار إليها تتحدث عن الإسلام، وهي الحديث المشهور: "بُنِيَ الإسلامُ على خمسٍ شَهادةِ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَومِ رمضانَ، وحجِّ البيتِ لمنِ استطاعَ إليهِ سبيلًا".

وكذلك ورد ذكرها في حديث جبريل: "ما الإسلامُ؟ قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وتقيمُ الصَّلاةَ، وتُؤتي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحُجُّ البيتَ".

فَخَلْطُ عصمت بين الإسلام والإيمان؛ لا يقع فيه من يسمي نفسه: (باحثا في الشؤون الإسلامية). 

ثانيا: أن الآية المذكورة تتحدث عن أصول الإيمان، وهي متفقة بين جميع الشرائع السماوية، فلا شك أن جميع الشرائع السماوية قد اتفقت على الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل بمقتضى هذا الإيمان، من العمل الصالح؛ ليوافق العمل الاعتقاد!

وهذا ما دل عليه حديث جبريل: "أن تُؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره".

فإن قلتَ: قد ذكرت الآية أركانا ثلاثة، وذكر الحديث ستة؟!، قلتُ: ذكرت الآية الأركان إجمالا، وذكرتها السنة تفصيلا، فلا شك أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وبأنه مقدِّر الأقدار، خيرها وشرها. 

وقد ذكر القرآن أركان الإيمان في آخر البقرة، فجعلها أربعة، فقال: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ..}.

وهكذا تُجْمِل بعض النصوص - قرآنا وسنة - أركان الإيمان، ويُفَصِّلُ بعضها، ويزيد بعضها، وينقص بعضها، وكذلك النصوص التي تتناول أركان الإسلام، فقد زاد بعضها عن الخمسة، ونقص بعضها عنها!

وأردف: على هذا النحو يمكننا فهم قضية اختلاف العدد، وأحيل القارئ الكريم على ما سطره يراع الإمام العلامة محمد عبد الله دراز، في كتابه القيم: [المختار من كنوز السنة]، فقد أجاد وأحسن، وأزال التعارض المتوهم بين النصوص، وقرر ذلك أحسن تقرير، بما لا مزيد عليه!

ومردُّ ما ذكره إلى أمور منها: النسخ، ومنها الجمع، ومنها اختلاف ضبط الرواة، ومنها الحمل على الحقيقة والمجاز، ومنها التأويل، ومنها الترجيح، فارجع إليه تجد عجبا. 

وقد استقر الأمر عند المسلمين، على أن أركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة. 

ثالثا: أما الآية التي استدل بها؛ فقد قال العلماء في تفسيرها:"...نبه - تعالى - على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع؛ فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي؛ فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويُخَلِّفونه ..

روى ابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: قال سلمان: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل دين كنتُ معهم ، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت الآية.

وقال السُّدِّي: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بَيْنا هو يحدِّث النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: "كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيا"، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم؛ قال له نبي الله صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان، هم من أهل النار"، فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية.

فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى - عليه السلام - حتى جاء عيسى،  فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة، وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها، ولم يتبع عيسى؛ كان هالكا،  وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى؛ كان مؤمنا مقبولا منه، حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم منهم، ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل؛ كان هالكا!

وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا".

قال الحافظ ابن كثير: "وهذا لا ينافي ما رَوى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر) الآية، فأنزل الله بعد ذلك: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

فإن هذا الذي قاله ابن عباس؛ إخبار عن أنه لا يَقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، بعد أن بعثه الله بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه؛ فهو على هدى وسبيل ونجاة".

وقال في موضع آخر: "والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله وباليوم الآخر، وهو المعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية، بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، (ولا هم يحزنون)". يُنظر: [تفسير القرآن العظيم] للحافظ ابن كثير، في تفسير الآيتين: ٦٢ و ٦٩ من سورة البقرة، بتصرف.

وشدد الحاصل: أن الفهم الصحيح لهذه الآية ونحوها؛ أنها إنما نزلت في من آمن بدينه، واتبعه بإحسان، قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، وفي من آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم، بعد بعثته، واتبعه بإحسان، فآمن بدينه، كما آمن بدينه السابق. 

تم نسخ الرابط