وثيقة الأخوة الإنسانية: مانيفستو السلام العالمي من قلب القاهرة إلى ضمير العالم
قال الدكتور علي محمد الأزهري عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، إنه في الرابع من فبراير، يستذكر العالم لحظة تاريخية فارقة، حين احتضنت العاصمة الإماراتية أبوظبي عام 2019 مشهداً لم يسبقه مثيل في العصر الحديث؛ تعانق فيه قطبا السلام، فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، ليوقعا "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك".
وقال الأزهري: لم تكن هذه الوثيقة مجرد حبر على ورق أو بروتوكولاً دبلوماسياً عابراً، بل كانت صرخة مدوية في وجه التطرف، ودعوة صادقة لاستعادة القيم الإنسانية التي دعت إليها الأديان السماوية.
هندسة السلام: جهود الإمام الطيب والمستشار محمد عبد السلام
وأضاف الأزهري: خلف هذا المنجز العالمي، تكمن رحلة شاقة من العمل الدؤوب والفكر المستنير. لقد قاد فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب تحولاً استراتيجياً في خطاب الأزهر الشريف، منفتحاً على الآخر دون تخلٍ عن الثوابت. اتسمت جهود فضيلته برؤية فلسفية عميقة تعتبر "التعارف" القرآني أصلاً للعلاقات الدولية، وليس "الصراع".
وأكمل في كواليس هذا العمل التاريخي، برز دور المستشار محمد عبد السلام، الأمين العام للجنة العليا للأخوة الإنسانية (والقاضي السابق بمجلس الدولة المصري). لم يكن دوره مجرد دور تنسيقي، بل كان "مهندس الصياغة" الذي استطاع ببراعته القانونية وخلفيته الأزهرية أن يحول الرؤى الكبرى للإمام والبابا إلى نصوص محكمة تخاطب الشرق والغرب معاً.
وأضاف: بذل المستشار عبد السلام جهوداً مضنية في تقريب وجهات النظر، والاشتغال على أدق التفاصيل اللغوية والقانونية لضمان أن تخرج الوثيقة كدستور عالمي للتعايش، مما جعلها تحظى لاحقاً باعتماد الأمم المتحدة ليصبح يوم توقيعها "يوماً دولياً للأخوة الإنسانية".
السلام في ميزان الوحي: القرآن والسنة
وأوضح أن "وثيقة الأخوة" ليست فكراً دخيلاً على الإسلام، بل هي استدعاء لجوهر الشريعة. فالقرآن الكريم جعل السلم هو الأصل، وجعل الاختلاف آية من آيات الله تقتضي التكامل لا التصادم.
من القرآن الكريم: يقول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا" (الحجرات: 13). هنا تظهر "علة الخلق" وهي التعارف، وهو أرقى درجات التواصل الإنساني. ومن السنة النبوية: أرست السنة العملية أول وثيقة مواطنة في التاريخ وهي "وثيقة المدينة"، حيث قال النبي ﷺ عن جيرانه من غير المسلمين: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا". وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: "اللهم ربنا ورب كل شيء، أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة"، وهو تأصيل نبوي صريح للأخوة الإنسانية الشاملة.
وثيقة تقرأ المستقبل
تأتي ذكرى الوثيقة اليوم لتذكرنا بأن العالم بحاجة إلى "بوصلة أخلاقية" في ظل الصراعات الراهنة. إنها تدعو إلى:
1. حماية دور العبادة: واعتبار استهدافها خروجاً عن تعاليم الأديان.
2. المواطنة الكاملة: بدلاً من مصطلح "الأقليات" الذي يحمل في طياته تمييزاً.
3. حقوق المرأة والطفل والضعفاء: كجزء أصيل من الكرامة الإنسانية التي كفلها الخالق.
واختتم بالقول إن إرث الإمام الطيب وعمله المشترك مع الفاتيكان، وبمعاونة مخلصين كالمستشار محمد عبد السلام، سيظل علامة مضيئة تثبت أن الأديان لم تكن يوماً بريداً للحرب، بل هي دائماً شراع للنجاة وبريد للسلام.




