عاجل

موضوع خطبة الجمعة المقبلة: الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة

موضوع خطبة الجمعة
موضوع خطبة الجمعة

حددت وزارة الأوقاف الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، الجزء الأول من خطبة الجمعة المقبلة، موضحة أن الهدف من الخطبة: التوعية بأهمية الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وأثر ذلك على المدعوين والتحذير من التشدد والغلو. 

الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة

وتابعت: الدعوةُ إلى الله تعالى فريضةُ الفرائض، وسنامُ الواجبات، وهي الرسالة التي اصطفى الله لها أنبياءه، وهي زادُ العلماء، وتاجُ الصالحين، ودُرَّةُ العارفين؛ هي أشرفُ الأعمال قدرًا، وأعلى المقامات شأنًا، بها تنفتح القلوب لمعرفة الله، فينتبه الغافل من غفلته، وتنهض الهمم الخاملة من رقادها، ويتعلم الجاهل سبيل الحق، وتسمو الأخلاق، ويتهذب السلوك، ويستقيم ميزان المجتمع، ويُستأصل الفساد من جذوره.

من أهم مميزات الداعية الناجح: التيسير وعدم التشديد:

وكذا من أهم ميزات الدعوة الإسلامية أن أحكامها وتشريعاتها سهلة خالية من التشدد والمشقة، فحيث وُجدت المشقة وُجد التيسير، وتقررت القاعدة الشرعية التي تقول: "المشقة تجلب التيسير"، وقاعدة: "إذا ضاق الأمر اتسع" [الأشباه والنظائر للسبكي، الأشباه والنظائر لابن نجيم]، وعَنِ سيدنا محجن بْنِ الْأَدْرَعِ قَالَ: قال النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَنَالُوا هَذَا الْأَمْرَ بِالْمُغَالَبَةِ» [رواه أحمد].

قال سفيان الثوري رحمه الله: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَدْلٌ بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ، عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى» [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن يزيد الخَلَّال].

وجميع العبادات في الإسلام سهلة ميسورة، ليس فيها حرج أو تضييق، فالصلاة خمس في العمل وخمسون في الأجر، ومن عجز عن الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، ومن عجز قاعدًا فعلى جنب، ثم قُصرت في السفر تخفيفًا، والحج فرض مرة واحدة في العمر، وكان شعار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في جميع مناسكه أنه ما سُئِل عَنْ شَيْء قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ؛ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" [رواه الشيخان]، والزكاة على القادر بشروط معلومة، والصيام فرض لمن سلم من الأعذار، وبعض من لا يقدر عليه يلزمه القضاء أو الفدية، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ [الحج: ٧٨]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، حتى قال الإمام السرخسي: "فإن الحرج عذر مسقط بالنص" [أصول السرخسي].

وهذا التيسير في الأحكام والتكليفات، والحرص على الرحمة بالمكلفين والتماس الأعذار لا تجد مثله في دين من الأديان إلا الإسلام.

فقهُ الواقع ومراعاةُ حال المدعو:

الدعوة بصيرةٌ بالواقع، ونظرٌ عميق في المآلات. فالداعية الحكيم لا يحدّث الناس بما يعلم هو فقط، بل بما تحتمله عقولهم، ويختار من الحق ما يصلح حالهم، ويُقال لهم في الوقت الذي تكون فيه النفوس مهيّأة للقبول. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، والحكمة هنا تشمل معرفة حال المدعو، واعتبار واقعه، واستحضار مآل القول والفعل؛ لأن كلمةً تُقال في غير موضعها قد تفسد أكثر مما تصلح، ونصيحةً تُلقى بغير تقدير قد تُغلق بابًا من أبواب الهداية.

وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى أصدق تجسيد؛ فكان يُخاطب كلَّ قومٍ بما يناسبهم، ويُقدّم الأهم فالأهم، ويؤخّر ما قد تنفر منه النفوس حتى تتهيأ له.

ومراعاة المآل أصلٌ راسخ في الشريعة؛ إذ المقصود من الدعوة هداية الناس لا تعقيد الطريق عليهم، وإصلاح القلوب لا كسرها، وجمعهم على الحق لا تنفيرهم منه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».

فالدعوة الراشدة هي التي تمشي على الأرض بقدم الواقع، وتنظر إلى الغاية بعين المآل، وتبقى معلّقة القلب بالسماء، تستنير بالوحي، وتتحرّك بالرحمة، وتثمر هدايةً وأثرًا وبقاءً.

الجدال بالتي هي أحسن: منهج الأنبياء في إظهار الحق:

وهي أساس عظيم من أساسيات دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة أقوامهم، فقد كان كل نبي يجتهد بقدر ما أوتي من قوة لردع قومه عن الكفر والشرك، وذلك بإدخالهم في دين الله تعالى وبذل القوة والاجتهاد في إيراد الأدلة المقنعة والحجج القوية لإظهار أن ما عليه القوم ليس بمقبول ولا معقول.

وهو الذي عُرف عند العلماء بعلم الجدل والمناظرة، وقد قالوا: "الجدل: مقابلة الحجة بالحجة، والمناظرة: أن يدفع الحجة بنظيرتها". [الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي].

ومع أن هذه هي صورة من صور المناظرة والجدل لإظهار الحق وإزهاق الباطل، إلا أن الإسلام قيد هذا الجدال بأن يكون بالحسنى، قَالَ الإمام الزّجَّاج في معنى قوله تعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] أي: ألِنْ لَهُم جَانِبك وجادلهم غير فظ وَلَا غليظ الْقلب. [المحكم والمحيط الأعظم].

وما أُمر به الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم أُمر به أتباعه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦].

ليس المقصود من الحوار أو المناظرة مجابهة الخصم وإفحامه والتغلب عليه، ولكن المحاور والمناظر كناشد الضالة لا يفرق بين أن تظهر على يده أو على يد غيره، بل القصد سماع الآخر ومعرفة ما عنده، مع تصويب فهمه إن كان مخطئًا، وتبصيره بما غاب عنه من قواعد العلم وطرائق الفهم، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما ناظرتُ أحدًا قط فأحببت أن يخطئ، وقال: ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفَّق ويسدد ويعان، ويكون عليه رعاية من الله تعالى وحفظ، وما كلمتُ أحدًا قط وأنا أبالي أن يبين الله الحق على لساني أو على لسانه، وقال: ما أوردتُ الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هبته، واعتقدت محبته، ولا كابرني أحد على الحق ودفع الحجة إلا سقط من عينيّ ورفضته.

قال حجة الإسلام الغزالي معلقًا: "فهذه العلامات هي التي تدل على إرادة الله تعالى بالفقه والمناظرة، فانظر كيف تابعه الناس من جملة هذه الخصال الخمس على خصلة واحدة فقط، ثم كيف خالفوه فيها أيضًا، ولهذا قال أبو ثور رحمه الله: ما رأيت ولا رأى الراءون مثل الشافعي رحمه الله تعالى. [إحياء علوم الدين].

اجعل خطابك للمخالفين خطاب رحمة لا خطاب عذاب:

ليس مقصد الداعية تخويف الناس أو الحكم على مخالفيه بالنار، ولا التشفي بسوء أحوالهم، بل الداعية طبيب يداوي المرضى، ويجب عليه أن يكون رحيمًا بهم، وأشفق عليهم من أنفسهم، فيحزن لضلال من ضلّ، ومعصية من عصى، ويدعو الله تعالى لهم على الدوام بالهداية، ولا يدعو عليهم قط، وإن أساءوا إليه، فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من المشركين شهرًا في قنوته، فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ سيدَنا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الفَجْرِ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ العَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا وَفُلاَنًا، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْء﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] [الشيخان] يعني: ربما يسلمون يا محمد، فلا تدع عليهم.

فكان صلى الله عليه وسلم بعدها يدعو للعصاة على الدوام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرو إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ» [صحيح البخاري].

قال عمر بن شبّه: "فَأَسْلَمُوا فَوُجِدُوا مِنْ صَالِحِي النَّاسِ إِسْلَامًا، وَوُجِدَ مِنْهُمْ أَئِمَّة وَقَادَة" [تاريخ المدينة لابن شبه].

فاللهم ارزقنا حسن الفهم عنك، وارزقنا هدي نبينا في دعوته ورسالته، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

إجراءات عملية للدعوة إلى الله بالحكمة:

ترسيخ مبدأ الحكمة في الخطاب الدعوي، وذلك باختيار الوقت المناسب، والأسلوب اللطيف، والكلمة الموزونة، ومراعاة حال المخاطَب؛ فالحكمة هي مفتاح القلوب، وبها تتحقق الغاية من الدعوة دون تنفير أو صدّ.

اعتماد الموعظة الحسنة طريقًا للتأثير، فتكون الموعظة صادقة، رفيقة، مشفوعة بالرحمة والشفقة، بعيدة عن التوبيخ الجارح والتقريع الفظ؛ لأن النفوس مفطورة على قبول اللين، والنفور من العنف.

الجمع بين البيان العقلي والتأثير القلبي.

تقديم القدوة العملية قبل كثرة القول.
مراعاة التدرج وعدم التكليف بما لا يُطاق

التحذير من التشدد والغلو في الدعوة، فالغلو يُفسد أكثر مما يُصلح، ويشوّه صورة الدين، ويغلق أبواب القبول.

استحضار مقصد الهداية لا الانتصار، فغاية الدعوة إنقاذ الناس لا إدانتهم، وإصلاحهم لا كسرهم، وهداية القلوب لا مجرد إسكات المخالف.

تم نسخ الرابط