غلاء المهور.. الأوقاف تحذر من المبالغة في تكاليف الزواج في خطبة الجمعة المقبلة
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة للحديث عن المبالغة في تكاليف الزواج (المغالاة في المهور).
وقالت الأوقاف إن المغالاة في تكاليف الزواج إحدى سمات هذا العصر الذي تكاثرت فيه المظاهر، وتعاظمت فيه الأعباء، وتحوَّل فيه الزواج، وهو آيةٌ من آيات السكينة والمودَّة، من بابٍ للطمأنينة إلى ظاهرةٍ مثقلةٍ بالديون والهموم، فلم تعد العقبة في الزوج الآن في ضعف الرغبة ولا في غياب القيم، بل في مغالاةٍ أنهكت الشباب، وقيودٍ اجتماعيةٍ فُرضت باسم العرف والتفاخر، حتى صار الحلال عسيرًا، فتعطّل بناء بيوت، وتأخَّر الزواج، وامتدَّ القلق في النفوس، وارتفعت نسب العنوسة، واهتزَّ البناء الاجتماعي الذي لا يقوم إلا على الأسرة المستقرة.
ومن هذا المنطلق، تدرج مبادرة «صحِّح مفاهيمَك» هذا الموضوعَ ضمن محاورها الأساسيَّة، بوصفه سلوكًا يُظهر غيابَ الانضباط العام، وضعفَ الوعي بحقوق الآخرين، وهو ما يستدعي تدخُّلًا عاجلًا على مستوى الوعي الديني، والمجتمعي، والقانوني.
التيسير مبدأ إسلامي:
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا» [رواه البخاري]، والدعوة النبوية إلى التيسير لا شك أنها تشمل الرابطة الاجتماعية الأولى وهي الزواج، بل لا نبالغ إذا قلنا إنها لا تتجلى حقيقة إلا فيه، ولا يقدم على مثل هذا الأمر من التيسير إلا من كان مؤمنا حقا بالله تعالى ومقتديا صدقا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
أعظم النكاح بركة أيسره:
من أكبر الدلائل على أن التيسير هو المَعْلم الأهم في النكاح وأن الزواج هو المظهر الأكبر في التيسير، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً" [رواه البيهقي]؛ فبين صلى الله عليه وسلم أن البركة المرجوة من النكاح إنما تحصل بالتيسير في تكاليف الزواج وعدم المبالغة فيها مبالغة فادحة.
محاربة الإسراف والتفاخر:
نهى الإسلام عن الإسراف والتبذير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]
ومن جملة هذا الإسراف ما يتكفله الأهل في أمر الزواج من أعباء تزيد عن طاقتهم، دفع إليها التمسك بالأعراف والعادات، ووليمته، فالولائم الباذخة، والمظاهر المتكلّفة في إعداد مسكن الزوجية، وأثاثه وفرشه، والمبالغة في الشبكة وحفل الزفاف، ليست من مقاصد الزواج، بل تُحوّله إلى عبءٍ اجتماعي لا طاقة لأحد به. ومن هنا وجه الإسلام المجتمع إلى تجنب ثقافة التكلّف، وذمّ الإسراف، ورفع الحرج عن المقبلين على الزواج.
مظاهر المبالغة في تكاليف الزواج:
المغالاة في المهور، وهو أمر من الخطورة بمكان، إذ إن بعض البيئات تعد المغالاة في المهور نوعا من أنواع تعزيز المرأة وتقديرها، حتى يضطر الشباب إلى الاستدانة من أجل المهر وحده دون تكاليف الزواج الأخرى لما فيه من المبالغة، لكن الإسلام نظر إلى أمر المهور من ناحية اجتماعية، يحفظ على المرأة كرامتها، ولايجعل من المهر عقبة لا يستطيع تجاوزها الشباب في بناء أسرة جديدة، فكما نرى أمثلة للموسرين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يمهرون المرأة الذهب والفضة، نرى أيضًا أمثلة يخاطبها النبي صلى الله عليه وسلم بما يخفف عنها عبء التكلف في المهر التكلف الزائد عن طاقته البشرية، وذلك بقوله: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" [رواه البخاري].
الإسراف في حفلات الزواج، وهو من أبرز مظاهر المبالغة في تكاليف الزواج، حيث تحوّلت هذه المناسبة من إعلانٍ بسيطٍ للفرح إلى مظاهر فاخرة تتسم بالبذخ والتكلف، من قاعات، وولائم، وزينةٍ ومظاهر لا ضرورة لها. وقد نهى الإسلام عن الإسراف صراحة، لما فيه من إضاعة للمال وإرهاق للأسرة دون فائدة حقيقية.
ومن الناحية الاجتماعية يفرض هذا الإسراف ضغطًا ماليًا كبيرًا على الشباب، ويدفع بعضهم إلى الاستدانة، مما ينعكس سلبًا على استقرار الحياة الزوجية منذ بدايتها، كما يعزز ثقافة التفاخر والمقارنة بين الناس بدل التركيز على جوهر الزواج القائم على المودة والرحمة. ولذلك رغب الإسلام في الاعتدال في حفلات الزواج والاقتصار على الضروري بما يحقق الفرح دون إسراف، ويحفظ المال، ويُسهم في بناء أسرة مستقرة.
كثرة المتطلبات الكمالية، من أبرز العوائق التي تقف في وجه تيسيره، إذ لم يعد يقتصر على الضروريات التي تقوم بها الحياة الزوجية، بل امتدَّ إلى اشتراط الكماليات والمظاهر التي لا أثر لها في نجاح الزواج أو استقراره، وتشمل هذه المتطلبات المبالغة في تجهيز المسكن، وكثرة الأثاث الفاخر، وتعدد الملابس والمقتنيات باهظة الثمن، مما يرهق الشاب ماديًّا ويؤخر إقدامه على الزواج.
التقليد والتفاخر الاجتماعي، حيث يلجأ بعض الناس إلى محاكاة غيرهم في تفاصيل حفلات الزواج وتجهيزاته وجلسات التصوير بدافع المنافسة الاجتماعية، لا بدافع الحاجة أو القناعة، فيتحول الزواج إلى ساحة للمقارنة واستعراض المكانة، ويُقاس نجاحه بحجم الإنفاق لا بحسن الاختيار والتفاهم.
أثر المغالاة في تكاليف الزواج:
لا شك أن مثل هذه المغالاة ستعود بالسلب على البنية المجتمعية ذكورا وإناثًا، ومن هذه الآثار:
ارتفاع نسبة تأخر الزواج، وذلك لعزوف الشباب عن الزواج، لما فيه من أعباء تفوق طاقته وقدرته المالية، وزيادة متطلبات البنات، والتي تستلزم قدرة الشاب المالية واستطاعته لأن يفي بمراسم الزوج وتكاليفه في صورة لافتة.
الاستدانة، نظرا لزيادة حجم التكاليف، يضطر الزوج لأن يستدين لكي يفي بهذه التكاليف، وفي المقابل أيضا تضطر بعض الأسر للاستدانة للأمر نفسه.
تهديد التماسك المجتمعي، والذي من أجله شرع الزواج، فارتفاع التكاليف لا محالة سيؤدي إلى انهيار هذا التماسك، نظرًا لكثرة الأعباء والديون.
الانحلال القيمي والأخلاقي، لا شك أن تعسير الحلال سيفتح بابا من الانحلال القيمي والأخلاقي، يجني ثماره مجتمع آثر المظاهر على المقاصد، وآثر التفاخر على الاعتدال والتوسط.
إجراءاتٌ عملية للحد من المغالاة في تكاليف الزواج
ترسيخ ثقافة التيسير منذ الصغر، غرس قيمة القناعة والاعتدال في نفوس الأبناء، وتعويدهم على أن السعادة الزوجية لا تُبنى على كثرة المال ولا على المظاهر، وإنما على التفاهم والدين والخلق، حتى ينشأ جيلٌ يرفض التكلُّف بطبعه.
تخفيف المهور والالتزام بالحدّ المعقول، الاتفاق الأسري والمجتمعي على تحديد مهور معتدلة تتناسب مع واقع الناس، وإحياء سُنَّة التخفيف التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، لما في ذلك من فتحٍ لأبواب الزواج، وجلبٍ للبركة، وصيانةٍ للشباب من الوقوع في الحرج.
تبسيط حفلات الزواج ومظاهر الفرح، الاقتصار على إعلان النكاح والوليمة المشروعة دون إسراف أو مبالغة، وترك المظاهر الدخيلة من حفلاتٍ مُكلِفةٍ واستعراضاتٍ اجتماعية لا تمتُّ لمقاصد الزواج بصلة.
دور الأسرة في التيسير
يتحمّل الآباء والأمهات مسؤولية كبيرة في تشجيع التيسير، وعدم تكبيل أبنائهم بما يفوق طاقتهم، وتقديم مصلحة الاستقرار الأسري على المظاهر الاجتماعية.





