ليلة النصف من شعبان 1447: دعاء مستجاب وصوم مقبول، هل تعرف سبب تحويل القبلة؟
حددت دار الإفتاء موعد ليلة النصف من شعبان 1447 هجريا، حيث أكدت بدايتها مع غروب شمس الإثنين وحتى فجر الثلاثاء المقبل، فما حكم صيامها وقصة تحويل القبلة؟
ما هو فضل ليلة النصف من شعبان؟
يقول الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء في فضل ليلة النصف من شعبان: لَمَّا أَرْسَلَ اللهُ سبحانه وتعالى نَبِيَّه؛ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الآخِرَة، وَمِنْ ضَلَالَةِ المُتَاهَاتِ إِلَى نُورِ الحَقِيقَةِ؛ بَيَّنَ لَنَا ﷺ أَنَّ بَعْضَ الأَمَاكِنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.
وبَيَّنَ لَنَا أَنَّ مَسَاجِدَ اللهِ فِي الأَرْضِ إِنَّمَا هِيَ بُيُوتُهُ، وَأَنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ وَحْدَهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وَأَنَّهَا مَكَانٌ لِتَلَقِّي العِلْمِ، وَمَكَانٌ لِلتَّكَافُلِ الاجْتِمَاعِيِّ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَمَكَانٌ لِلْخَلْوَةِ مَعَ اللهِ سبحانه وتعالى وَمُنَاجَاتِهِ، وَمَكَانٌ لِلصَّلَاةِ نَسْجُدُ فِيهَا لِرَبِّنَا سبحانه وتعالى؛ فَفُضِّلَتْ عَلَى سَائِرِ الأَمَاكِنِ.

وَفَضَّلَ سبحانه وتعالى بَعْضَ الأَزْمَانِ عَلَى بَعْضٍ، وَمِنْ هَذِهِ اللَّيَالِي الفُضْلَى: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبَان؛ حِينَما تَقَرَّرَتْ فِيهَا الاسْتِجَابَةُ لِمُنَاجَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
فَاسْتَجَابَ اللهُ لَهُ، فَوَجَّهَهُ إِلَى مَحَلِّ نَظَرِ اللهِ: إِلَى الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، إِلَى المَقْصُودَةِ، إِلَى البَيْتِ الَّذِي أَرْشَدَ اللهُ إِلَيْهِ المَلَائِكَةَ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ آدَمَ، وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمَ؛ حَتَّى يَخْتِمَ أَنْبِيَاءَهُ بِنَبِيِّنَا ﷺ. فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَرَّقَ اللهُ فِيهَا بَيْنَ عَصْرٍ وَعَصْرٍ، وَبَيْنَ مَرْحَلَةٍ وَمَرْحَلَةٍ؛ فَدَخَلَ المُسْلِمُونَ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً فِي حَيَاتِهِم. فَتَرَاهُمْ بَعْدَ مَا هَدَاهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ — بِإِذْنِ رَبِّهِ — إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، يُقَدِّرُونَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله تعالى عنه، فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لَيَنْزِلُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقُهُ؟ هَلْ مِنْ طَالِبٍ فَأُعْطِيَهُ؟». وَهَكَذَا رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَه كُلُّهَا بِالرَّفْعِ، وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ: «فَأَغْفِرَ لَهُ، فَأَرْزُقَهُ، فَأُعْطِيَهُ». والفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الفَاءَ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ لِلْعَطْفِ، وَفِي حَالَةِ النَّصْبِ لِلسَّبَبِيَّةِ.
وَشدد: مَعْنَى هَذَا أَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى سَيَرْزُقُكَ، وَيَغْفِرُ لَكَ، وَيُعْطِيكَ؛ وَلَيْسَ هَذَا بِسَبَبِ حَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَسُؤَالِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِهِ وَحْدَهُ سبحانه وتعالى.
فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ العَرْشِ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ.
وفي فضلها أيضا يقول ابنُ عمرَ رضي الله تعالى عنهما: «خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ: لَيْلَةُ الجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبَ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَةُ العِيدِ، وَلَيْلَةُ النَّحْرِ».
موعد ليلة النصف من شعبان
قالت دار الإفتاء من خلال صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك عن موعد ليلة النصف من شعبان 1447 هجريا: تبدأ ليلة النصف من شعبان من مغرب يوم الإثنين 14 شعبان 1447هـ (الموافق 2-2-2026م)، وتمتد حتى فجر يوم الثلاثاء 15 شعبان 1447هـ (الموافق 3-2-2026م).
حكم صيام النصف من شعبان
وفي بيان حكم صيام يوم النصف من شعبان قالت الإفتاء: «صيام يوم النصف من شعبان داخل في جملة الأيام البِيض المندوب إلى صيامها من كل شهر، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر».
الأيام البيض لشهر شعبان 1447
أمّا مَن أراد صيامَ الأيّام القمريّة (13، 14، 15) من شعبان؛ فتبدأ من يومِ الأحد الموافق 1 فبراير 2026م، وتكون أيّامُ الصيام: الأحد 1 فبراير، والاثنين 2 فبراير، والثلاثاء 3 فبراير 2026م.

قصة تحويل القبلة في النصف من شعبان
يقول الدكتور علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: ليلة النصف من شعبان، هي الليلة التي وجَّه الله فيها وجوهنا من بيتِ المقدس إلى البيتِ الحرامِ بمكة، كما يبرز فيها بيتُ المقدس وكأنه محورُ حياةِ المسلمين، وبدايةُ مواسمهم ونهايتها. هذا هو الدين؛ فأين المفر؟ هذه هي الحقيقة؛ فكيف التألِّي على الله؟
في هذه الآيات البيِّنات التي وجَّه فيها رسولُ الله ﷺ المسلمين إلى البيت الحرام، ذكر لنا الله سبحانه وتعالى بيانًا شافيًا فيما نحن فيه الآن، وكأن القرآن قد نزل غضًّا طريًّا على أمة المسلمين! نتلو الآيات، ونأخذ منها العبرة، ونقف عند القضايا، ونوجِّه أنفسنا في منهج حياتنا وبرنامج يومنا طبقًا لها؛ فهذا هو الذي يُرضي اللهَ ورسولَه ويُرضي المؤمنين.
يقول ربنا سبحانه وتعالى لأشرف خلقه ﷺ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}. النبي ﷺ يدعو؛ فلابدَّ عليك أيها المؤمن أن تتمسَّك بالدعاء، وعُدَّ على أصابع يديك مراتٍ ومرات؛ فهذا هو البرنامج الذي أراده الله للمؤمن. ودعك من أقاويل المفسدين، ومن تثبيط المثبِّطين، ومن فلسفة المتفلسفين. انظر ماذا يريد ربُّك منك: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}؛ فهو يدعو ويُلِحُّ في الدعاء.
ويوم بدر، أخذ ﷺ يدعو حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقال له: "كفاك يا رسول الله مناشدتك ربك؛ فإنه سيستجيب لك"، وكأنه قد غاب عن الأكوان، وأصبح قلبه ﷺ لا يراها، وانفتح باب الحق، وانغلق باب الخلق. فأخذ يدعو، ولم يستجب لمناشدة أبي بكر؛ فنصر الله القِلَّةَ القليلة على الكثرة الفاجرة الكافرة، وأظهر الله عجائب قدرته، وولّى الكافرون فرارًا. ولم يكن هذا مجرد حادث، ولم تكن مجرد غزوة؛ وإنما كانت تأسيسًا لمبدأ رباني مع المؤمنين، وكان عهدًا بين المسلمين وبين ربهم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} لم يدعُ مرةً أو مرتين؛ بل قلَّب وجهه في السماء قبلةَ الدعاء، ومدَّ يده حتى ظهر بياضُ إبطيه ﷺ، وبياضُ الإبطين لا يبدو إلا مع المبالغة في رفع اليد؛ وكأنه يستغيث بربٍّ كريم: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}، يؤكد ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. وهو حكمٌ يأمرنا جميعًا بأن نولي وجوهنا شطرَ المسجد الحرام، وكأن الله لا يترك فرصةً إلا ويأمرنا فيها بالاتحاد.

الأعمال المستحبة في شهر شعبان
وأشار الشيخ أحمد عادل عضو لجنة الفتوى بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إلى أن أبرز العبادات والأعمال الصالحة المستحبة في شهر شعبان تشمل:
- الإكثار من الصيام، اقتداءً بالنبي ﷺ.
- الحرص على الاستغفار والتوبة، استعدادًا لاستقبال رمضان.
- الصدقة ومساعدة المحتاجين، حيث تضاعف الأجور في هذا الشهر.
- قراءة القرآن الكريم، وتدبر معانيه لتجهيز النفس روحانيًا.
- الإكثار من الدعاء، خاصة أن شهر شعبان من الأوقات التي يُستحب فيها الدعاء.
دعاء النصف من شهر شعبان مستجاب
جاء أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة فخرجت، فإذا هو بالبقيع، رافعا رأسه إلى السماء، فقال لي: «أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟»، قالت: قلت يا رسول الله ظننت أنك أتيت بعض نسائك، فقال: «إن الله عز وجل ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب»، وكلب قبيلة مشهورة بكثرة الغنم، وهى كناية من سيدنا رسول الله على سعة رحمة الله سبحانه وتعالى، وتعظيم الله تعالى لهذه الليلة يكون باطلاعه تعالى على خلقه، لينزل عليهم فيها رحمته ومغفرته، كما أخبرنا رسول الله ﷺ: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».
ورد في دعاء ليلة النصف من شعبان الذي كان يردده سيدنا عمر بن الخطاب ما يلي: "اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطول والإنعام، لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، وأمان الخائفين، اللهم إن كنت كتبتنى عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا على فى الرزق، فامح اللهم بفضلك شقاوتى وحرمانى وطردى وإقتار رزقى، وأثبنى عندك فى أم الكتاب سعيدا مرزقا موفقا للخيرات، فإنك قولت وقولك الحق فى كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".
وقد زاد العلماء لدعاء سيدنا عمر بن الخطاب: "إلهى بالتجلي الأعظم فى ليلة النصف من شهر شعبان المعظم أن تكشف عنا من البلاء ما نعلم وما لا نعلم وما أنت به اعلم إنك أنت الأعز الأكرم وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم".


