عاجل

قصة تحويل القبلة في النصف من شعبان

قبلة النبي ومسراه.. كيف ارتبط المسجد الأقصى بالمسلمين في «رجب وشعبان»؟

المسجد الأقصى
المسجد الأقصى

يقترب شهر شعبان ومع يتساءل المسلمون عن شهري رجب وشعبان وكيف ارتبطا في الذاكرة بالمسجد الأقصى، فما بين احتفاء الإسراء والمعراج وتحويل القبلة يظل ارتباط المسلمين بالمسجد الأقصى ارتباط وثيق خاصة في هذين الشهرين، فما الحكمة من ذلك؟ 

ما هو المسجد الأقصى؟ 

المسجد الأقصى المبارك اسم لكل ما شمله  سور المسجد من مبانٍ مسقوفة من مُصلَّيات وقباب وأروقة، أو ساحات مكشوفة، مبلّطة وترابيّة، واسبلة وابار حيث تبلغ مساحته 144 دونم و100 متر مربع (الدونم 1000 متر مربع ).

دلَّ على ذلك إقرار سنة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلم التَّقريريّة، فإنَّه لمَّا أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كان للمسجد سور وأبواب، ولم ينقل عنه صلّى الله عليه وسلّم تغيير تلك الحدود. وعلى ذلك انعقد إجماع الصَّحابة رضي الله عنهم لمَّا جاءوا فاتحين بقيادة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

المسجد الأقصى 
المسجد الأقصى 

تسمية المسجد الأقصى

الأقصى تعني حرفياً الأبعد، وتسمية المسجد الأقصى تعني المسجد الأبعد عن مكة المكرمة زمن تنزل الوحي على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وكلمة الأقصى في اللغة قد تأخذ بعد مكانة إضافة إلى بُعد المكان وبهذا يكون المسجد الأقصى هو المسجد صاحب المكانة المقدسة وهذا أقرب عقدياً من التفسير الذي يقصره على بعد المكان، والمسجد الأقصى موجود في الأرض المباركة كما ورد في القرآن الكريم: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" (سورة الاسراء: 1)

درج بين الناس تسمية المسجد الأقصى الحرم الشريف وهو اسم نابع من الثقافة الشعبية والموروث المملوكي – العثماني في المنطقة ولا أساس له في العقيدة الإسلامية حيث لا يُستخدم تعبير "الحرمين" في الإسلام إلا عند الإشارة إلى الحرم المكي في مكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة.

فضل المسجد الأقصى

وتتمتع ثلاثة مساجد في الإسلام بقدسية ومكانة خاصة كما ورد في الحديث الشريف، فعن النبي صلى الله عليه وسلم "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا." (صحيح مسلم). 

والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثاني المسجدين، فقد كان ثاني مسجد بُني في الأرض بعد الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ «ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّهِ فإنَّ الفَضلَ فِيهِ". (متفق عليه)

تحويل القبلة في ليلة النصف من شعبان

وقد شهد شهر شعبان تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، حيث كان سيدنا رسول الله ﷺ في مكة يصلي إلى بيت المقدس ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس؛ كي يستقبلهما معًا؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصلِّي وهو بمكةَ نَحْوَ بيتِ المقدسِ والكعبةُ بينَ يدَيهِ». [أخرجه أحمد] 

ولما هاجر سيدنا النبي ﷺ والمسلمون إلى المدينة كان بيت المقدس قبلتهم ما يقرب من عام ونصف؛ فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَّى نحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا...». [متفقٌ عليه] 

وقد جاء الأمر الإلهي إلى سيدنا رسول الله ﷺ بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام بمكة في منتصف شهر شعبان من العام الثاني للهجرة على المشهور، ونزل قول الله سبحانه: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. [البقرة: 144] 

ذكرى تحويل القبلة
ذكرى تحويل القبلة

ووفقًا للأزهر فقد كان تحويل القبلة اختبارًا من الله سبحانه تبين من خلاله المؤمن الصادق المُسلِّم لله وشرعه، والمعاند العاصي لله ورسوله ﷺ؛ قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّاِ لنَعْلَمَ َمنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}. [البقرة: 143]، فكانت استجابة المؤمنين صدقًا وهُدًي ونورًا؛ إذ سارعوا إلى امتثال الأمر ولسان حالهم يقول: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. 

أما المشركون فزادهم هذا الحدث العظيم عنادًا على عنادهم، وقالوا: يوشك أن يرجع محمدٌ إلى ديننا كما رجع إلى قِبلتِنا؛ فخاب ظنهم، وكسَد سعْيُهم، وباؤوا بغضبٍ على غضبٍ. في تحويل القبلة تأكيد على عُلوّ مكانة سيدنا رسول الله ﷺ عند ربّه، فقد كان ﷺ يحبّ التوجَّه في صلاته إلى البيت الحرام، وتهفو روحُه إلى استقبالِ أشرفِ بقاع الدُّنيا؛ فعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144]، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ». [أخرجه البخاري] 

وأكد تحويل القبلة على العلاقة الوثيقة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، تلك العلاقة التي دلت على قوتها وشرفها أدلةٌ كثيرة؛ كقول أبي ذر لسيدنا رسول الله ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ»، ثُمَّ قَالَ: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، وَالْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ ». [أخرجه البخاري] وعلى المُستوى المُجتمعي: يظهر هذا الأمر تكاتف المسلمين واتحادهم وأنهم بمثابة الجسد الواحد في التسليم لوحي الله سبحانه وشرعه، وفي حرص بعضهم على بعض، حينما خاف بعضهم على إخوانهم الذين ماتوا ولم يدركوا الصلاة إلى المسجد الحرام؛ فأنزل الحقُّ سبحانه قوله: {‌وَمَا ‌كَانَ ‌اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }. [البقرة: 143] 

فيما رسخ تحويل القبلة أن الغاية العظمى هي عبودية الله سبحانه والتسليم له وإن اختلفت الوجهة؛ فلله سبحانه المشارق والمغارب، قال تعالى: {وَلِلَّهِ ‌الْمَشْرِقُ ‌وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. [البقرة: 115] وتضمن تحويل القبلة تعظيمًا وتشريفًا لأُمَّة الإسلام بالوسطية والتوفيق إلى قبلة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام؛ لتستحق بذلك مكانة الشهادة على جميع الأمم؛ قال تعالى: {وَكَذَلِكَ ‌جَعَلْنَاكُمْ ‌أُمَّةً ‌وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. [البقرة: 143]

المسجد الأقصى بين رجب وشعبان

يقول أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب التبصرة: «إِخْوَانِي : هَذَا شَهْرُ رَجَبٍ قَدْ رَحَلَ أَكْثَرُهُ وَبَانَ، وَنُورُ شَعْبَانَ قَدْ لَاحَ وَبَانَ، وَقَدْ سَارَ إِلَى دِيَارِ الْفَوْزِ رُكْبَانٌ، وَأَقْدَمَ الشُّجَاعُ وَوَلَّى الْجَبَانُ، هَذَا الشَّهْرُ الأَصَمُّ يُؤْذِنُكُمْ بِإِقْلَاعِهِ وَيُخْبِرُكُمْ بِرَحِيلِهِ وَوَدَاعِهِ، فَأَيُّكُمْ وَدَّعَهُ وَقَدْ أَوْدَعَهُ مَا يَنْفَعُهُ غَدًا ، وَأَيُّكُمْ دَاوَمَ الْمَعَاصِيَ فَلَمْ يُقْلِعْ حَتَّى غَدَا، وَيْلٌ لِمَنْ ذَهَبَ عَنْهُ شَهْرُ رَجَبٍ وَانْصَرَمَ وَهُوَ فِي عِدَادِ مَنْ هَجَرَ الْهُدَى وَصَرَمَ، كَيْفَ يَرْجُو الْفَضْلَ وَالْكَرَمَ مَنِ اجْتَرَمَ وَمَا احْتَرَمَ». 

ويضيف الدكتور محمد حافظ عبدالرحمن، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر: قد ودَّعنا رجب الفرد وهو من الأشهر الحرم، وقد تجلَّت فيه أعظم رحلة في الوجود وهي الإسراء والمعراج، لتربط بين المسجدين الحرام والأقصى برابطة العبادة والقيادة، والمسؤولية الكاملة عن تحرير الأقصى والمسرى، وها هو شعبان يأتي ومعه ذكرى تحويل القبلة؛ لكي:
1-  تعمِّق في الذاكرة والوجدان أن الأقصى هو ثالث الحرمين، وأولى القبلتين، ومسرى سيد الثقلين. 
2-   وأن الصلاة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج تذكِّرنا خمس مرات كل يوم بمسؤوليتنا أمام الله أن نرقى في العبادة من بوابة الصلاة.
3-  وأن نسعى إلى القيادة من بوابة تحرير الأقصى، فمن ساحات الصلاة متبتلين في محاربها إلى ساحات الأقصى مجاهدين من يحاربها.

دعاء لتحرير المسجد الأقصى 

اللهم حرر الأسرى والمسرى ولا تجعلنا لذنوبنا أسرى، اللهم رد إلينا المسجد الأقصى الأسير، اللهم يا رب فك أسره وارزقنا صلاة فيه قبل الممات، اللهم احفظ المسجد الأقصى من أيدي الغاصبين واجعله شامخاً عزيزاً إلى يوم الدين.

تم نسخ الرابط