ما هي عقيدة مونرو؟.. حلم أمريكي قديم يحققه ترامب
“الولايات المتحدة لن تتخلى عن مبدأ مونرو”.. بهذه العبارة برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو، الذي جرى اعتقاله مع زوجته وإيداعه سجن “بروكلين” في نيويورك نهاية الأسبوع الماضي، حيث أعاد هذا التطور إلى الواجهة عقيدة تاريخية لطالما أثارت الجدل، وفتح باب التساؤلات حول ماهيتها وانعكاساتها على دول أمريكا اللاتينية وعلى موازين القوى العالمية.
وأكد ترامب أن اعتقال مادورو يشكل دليلاً واضحاً على أن النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، الذي يضم دول الأمريكيتين، لن يكون موضع تشكيك مستقبلاً، مضيفاً بنبرة فخر أن عقيدة مونرو، التي تحمل اسم الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو، بالغة الأهمية، بل إننا تجاوزناها إلى حد كبير".
وختم ترامب بالقول إن الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي تضمن عدم المساس بالسيطرة الأمريكية في النصف الغربي من الكرة الأرضية مستقبلاً.

ما هي عقيدة مونرو ؟
تُعد عقيدة مونرو إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية، وقد أعلنها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، في سياق تصاعد المخاوف من محاولات قوى دولية، وعلى رأسها الدول الأوروبية، إعادة فرض نفوذها أو احتلالها لدول القارة الأمريكية، خصوصاً بعد استقلال العديد منها عن الاستعمار الإسباني.
وبموجب هذا الإعلان، اعتبرت الولايات المتحدة دول نصف الكرة الغربي مجالاً حيوياً وأمنياً مباشراً لها، وأعلنت رفضها لأي تدخل خارجي في شؤون هذه الدول أو أي محاولة لإنشاء نفوذ أجنبي فيها، لا سيما في بلدان بعينها مثل فنزويلا الغنية بالنفط، والتي تمتلك احتياطياً ضخماً يقدّر بنحو 300 مليار طن من الاحتياطي العالمي.
وفي المقابل، تعهدت واشنطن بعدم التدخل في شؤون القارة الأوروبية، مقابل التزام الدول الأوروبية بعدم التدخل في شؤون الأمريكيتين.
تعزيز روزفلت لعقيدة مونرو
شهدت العقيدة توسعاً ملحوظاً في عام 1904، عندما عززها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، مضيفاً إليها بعداً جديداً منح الولايات المتحدة حق التدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي إذا ما ارتكبت أنظمتها ممارسات اعتُبرت مناهضة للديمقراطية والحكم الرشيد، مثل تفشي الفساد السياسي والاقتصادي، أو التورط في تجارة المخدرات، أو دعم الإرهاب، أو قمع الشعوب.
وبموجب ما عرف بـ الملحق الروزفلتي، لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بمنع التدخلات الأجنبية في أمريكا اللاتينية، بل فرضت نفوذها السياسي والاقتصادي على دولها، بما في ذلك اعتماد الدولار الأمريكي في تعاملاتها التجارية الدولية.

انعكاسات عقيدة مونرو على أمريكا اللاتينية
استخدمت واشنطن عقيدة مونرو مراراً كذريعة للتدخل في شؤون دول نصف الكرة الغربي. ومن الأمثلة على ذلك الضغوط الأمريكية القوية على المكسيك عام 1865 دعماً للزعيم السياسي بينيتو خواريز في صراعه ضد الإمبراطور ماكسيمليان الذي نصبته قوى أوروبية حاكماً على البلاد.
وفي عام 1904، وبالاستناد إلى العقيدة نفسها، أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى جزيرة سانت دومنغو لمنع ألمانيا من استخدامها كقاعدة عسكرية محتملة خلال الحرب العالمية الأولى. وقد سيطرت قوات «المارينز» على الجزيرة بين عامي 1916 و1924.
كما تدخلت القوات الأمريكية في نيكاراغوا ضمن ما عُرف بـ«حرب الموز» التي بدأت عام 1912، بهدف منع أي دولة أخرى من المشاركة في مشروع قناة نيكاراجوا، التي كان يُنظر إليها كممر استراتيجي يربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ. وتكرر التدخل الأمريكي أيضاً في هايتي عام 1915 بذريعة منع التدخل الأوروبي في شؤونها.
أزمة الصواريخ الكوبية وإحياء العقيدة
على الرغم من أن السياسة الأمريكية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اتجهت أكثر نحو الدبلوماسية والحوار، فإن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 أعادت عقيدة مونرو بقوة إلى المشهد السياسي، فقد فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً وجوياً على كوبا عقب موافقتها على نشر صواريخ نووية سوفياتية موجهة نحو الأراضي الأمريكية.
وكادت تلك الأزمة أن تتطور إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وموسكو، مع مخاوف حقيقية من اندلاع حرب نووية، قبل أن يتم احتواء التوتر بعد نحو 15 يوماً من التصعيد الحاد.
من ريجن إلى ما بعد الحرب الباردة
مع وصول الرئيس رونالد ريجن إلى الحكم في ثمانينيات القرن الماضي، أعيد توظيف مفهوم عقيدة مونرو في إطار مواجهة المد الشيوعي.
وأكد ريجن في أحد خطاباته ضرورة الوقوف إلى جانب الحلفاء الديمقراطيين ودعم من يواجهون ما وصفه بالعدوان المدعوم من الاتحاد السوفياتي في دول القارة.
ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشرقي، اعتقد كثيرون أن عقيدة مونرو فقدت فعاليتها ولم تعد أداة للتدخل. غير أن توقيف رئيس دولة مستقلة مثل فنزويلا، وتجاهل قواعد القانون الدولي، أعادا التأكيد على أن هذه العقيدة لا تزال حاضرة وتُستخدم للدفاع عن المصالح الأمريكية.
كوبا وكولومبيا وجرينلاند.. على قائمة التحذير
كما لمح دونالد ترامب إلى إمكانية توسيع استخدام ما أسماه “عقيدة دونرو” في إشارة إلى إعادة تسميته لعقيدة مونرو ضد دول أخرى مثل كوبا وكولومبيا، بهدف معاقبتها أو السعي إلى تغيير أنظمتها إذا استمرت في سياساتها الحالية.
ويرى ترامب أن هذه الدول تشكل، من وجهة نظره، مصدراً لتهديدات أمنية، خاصة في ما يتعلق بتجارة المخدرات، وهو ما يعتبره خطراً مباشراً على الأمن القومي الأمريكي.



