البابا تواضروس الثاني: عيد الميلاد مدرسة إلهية لتجديد المحبة وبناء السلام
قال قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أن عيد الميلاد المجيد يمثل إعلانًا إلهيًا متجددًا عن محبة الله للإنسان، موضحًا أن التجسد الإلهي لم يكن حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل مسيرة محبة بدأت قبل الميلاد واستمرت بعده، لتؤكد أن الله لا يترك الإنسان وحده في مواجهة الخوف أو الألم، بل يسير معه حتى يصل إلى الأمان.
وأشار البابا إلى أن الميلاد يعيد إلى العالم صور المحبة الحية، التي لا تُختزل في كلمات أو مشاعر عابرة، بل تُترجم إلى واقع ملموس يُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال السلام بدل الصراع، والعطاء بدل الأنانية، والوفاء بدل التخلي.
التجسد الإلهي… اقتراب الله من الإنسان
وأوضح قداسة البابا أن عيد الميلاد هو عيد التجسد الإلهي، حيث اقترب الله من الإنسان في صورة طفل وديع، ليُعلن أن لغة السماء الأولى هي لغة المحبة، مستشهدًا بالآية الإنجيلية: «هكذا أحب الله العالم» (يوحنا 3: 16)، مؤكدًا أن هذا الحب لا يهدف إلى تغيير مظهر العالم فقط، بل إلى تجديد الإنسان من الداخل وبناء بداية جديدة لكل نفس تبحث عن الطمأنينة والسلام.
وأضاف أن ميلاد السيد المسيح لم يغيّر شكل التاريخ فحسب، بل أعاد صياغة معنى الحياة الإنسانية، داعيًا البشر جميعًا إلى البحث عن المحبة الحقيقية التي تشفي الجراح وتعيد للإنسان كرامته.
مشاهد الميلاد الأولى تحمل معاني إنسانية عميقة
وتوقف البابا عند مشاهد الميلاد الأولى، مشيرًا إلى أن ولادة السيد المسيح في مغارة بسيطة، وظهوره للرعاة البسطاء، واستقبال المجوس الذين قدموا هداياهم، تحمل رسائل عميقة تؤكد أن الله اختار البساطة طريقًا، وأن المحبة الحقيقية تُعاش قبل أن تُقال.
وأوضح أن هذه المشاهد تعلم الإنسان كيف يعيش المحبة في واقع الحياة، لا كذكرى محفوظة في الذاكرة، بل كقيمة حية تُمارس في الواقع، داعيًا إلى أن يتحول عيد الميلاد إلى فرصة لمراجعة الذات، ونشر روح السلام بدل العنف، والتسامح بدل الكراهية.
العذراء مريم وإليصابات… درس في الوفاء والخدمة
وسلط قداسة البابا الضوء على لقاء السيدة العذراء مريم بنسيبتها إليصابات، معتبرًا أن هذا اللقاء يمثل نموذجًا راقيًا للوفاء الإنساني، حيث تحركت العذراء بدافع الخدمة لا البحث عن المجد، وبروح التواضع لا التساؤل أو المقارنة.
وأشار إلى أن مريم لم تشغلها عظَمة السر الإلهي الذي تحمله في داخلها عن احتياجات الآخرين، بل سارعت لتكون سندًا ومساندًا، مؤكدًا أن المحبة الحقيقية لا تنشغل بالذات، بل تتحرك بدافع المشاركة وتحمل الآخر.
الميلاد دعوة لإحياء القيم الإنسانية
وأكد البابا تواضروس الثاني أن عالم اليوم، رغم ما يشهده من تقدم علمي وتقني، يعاني فراغًا إنسانيًا عميقًا نتيجة غياب لغة المحبة، وهو ما انعكس في انتشار الحروب والصراعات، وتراجع قيم الرحمة والتعاطف.
وأوضح أن رسالة الميلاد تأتي لتُذكّر البشرية بأن السلام لا يُفرض بالقوة، ولا يتحقق بالصراع، بل يُبنى بالعدل والرحمة والاحترام المتبادل، وأن الخلاص الحقيقي يبدأ من القلب، قبل أي تغيير خارجي.
الأطفال ضحايا النزاعات في صميم رسالة الميلاد
وشدد البابا على أن رسالة الميلاد تُوجه نداءً صريحًا للعالم من أجل الأطفال الذين يعانون ويلات الحروب والنزاعات في مناطق كثيرة، مؤكدًا أنهم لا يحتاجون إلى شفقة مؤقتة، بل إلى محبة حقيقية تُترجم إلى حماية ورعاية وضمان لحقهم في الأمان والحياة الكريمة.
وأضاف أن الميلاد يدعو الجميع إلى أن يكونوا صانعي سلام، وحماة للضعفاء، وشهودًا لمحبة لا تعرف حدودًا أو تمييزًا، وأن الرحمة والاحتواء هما الطريق الحقيقي لبناء مستقبل أفضل.
رسالة خاصة لمصر: المحبة أساس السلام
وأشار البابا تواضروس الثاني إلى أن رسالة الميلاد تمتد لتشمل المجتمع المصري، داعيًا إلى أن تكون مصر نموذجًا في صناعة السلام وحماية الضعفاء، وشهادة حية لمحبة لا تعرف تعصبًا أو إقصاء.
وأوضح أن المحبة التي يدعو إليها الميلاد تُعلّم الإنسان كيف ينتقل من الخوف إلى الأمان، ومن الألم إلى الرجاء، ومن الانقسام إلى الوحدة، مؤكدًا أن هذه القيم هي الأساس الحقيقي لاستقرار المجتمعات.
تقدير لجهود الدولة وترسيخ المواطنة
وفي ختام رسالته، عبّر قداسة البابا تواضروس الثاني عن تقديره لجهود الدولة المصرية في ترسيخ قيم المواطنة وتعزيز روح الوحدة الوطنية، مثمنًا مشاركة المصريين جميعًا في الاحتفال بعيد الميلاد، باعتباره رمزًا للتلاحم الوطني وتجسيدًا حقيقيًا لروح المحبة.
كما وجّه الشكر لكل من يعبّر عن مشاعر صادقة تجاه مصر، سواء بالحضور أو بالكلمة أو بالمبادرات الإنسانية، مؤكدًا أن روح الميلاد ستظل دعوة دائمة لترسيخ السلام، وبناء مجتمع قائم على الوفاء والمحبة الحقيقية.