صوت صعيدي بلغ الحرم وشهد افتتاح السد العالي.. القارئ الشيخ محمود حسنين الكلحي
يوافق اليوم ذكرى رحيل أحد أعلام التلاوة في صعيد مصر، وابن الكلح الأصيل، الشيخ محمود حسنين الكلحي، صاحب الصوت الصعيدي المميز، والحضور الوقور الذي ارتبط اسمه بالقرآن الكريم تلاوة وأداء وخشوعا.
ولد الشيخ محمود حسنين الكلحي –رحمه الله– عام 1921م بقرية الكلح التابعة لمركز إدفو بمحافظة أسوان، في بيئة صعيدية عُرفت بحبها للقرآن وأهله، فشب محاطًا بالتوقير لكتاب الله، وتفتحت مداركه مبكرا على نغماته ومعانيه.
حفظ القرآن الكريم في سن صغيرة على يد الشيخ الأمين محمد الأمير العمراني، وأظهر نبوغًا لافتًا أهّله لتلقي علوم الفقه والنحو والتفسير، حتى أتم دراسته الأولى وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره.
وفي عام 1934م، انتقل إلى رحاب الأزهر الشريف ليستكمل مسيرته العلمية، حيث تتلمذ على يد أحد كبار شيوخ القراءات في عصره، الشيخ محمد سعودي إبراهيم، الذي منحه إجازة معتمدة في قراءات القرآن الكريم، بعد أن لمس فيه دقة الأداء، وحسن الضبط، وصدق التلقي. وخلال تلك الفترة، التي امتدت من عام 1934 وحتى 1936،
جاور الشيخ الكلحي عددا من أعلام التلاوة الذين أصبحوا لاحقًا من كبار القراء، من بينهم الشيخ محمد صديق المنشاوي والشيخ محمود عبد الحكم، في مرحلة شكّلت وعيه القرآني ورسّخت ملامح مدرسته الخاصة في التلاوة.
وكانت الانطلاقة الحقيقية للشيخ محمود حسنين الكلحي في عالم القراءة عام 1939م، عندما شارك في احتفال كبير بمدينة إسنا، ضم نخبة من مشاهير قراء ذلك العصر، منهم الشيخ صديق ثابت المنشاوي، والشيخ محمود عبد الحكم، والشيخ محمد صديق المنشاوي –رحمهم الله جميعًا–، ليبدأ بعدها مشوارًا حافلًا، حمل فيه صوته القادم من أعماق الصعيد إلى آفاق أوسع، داخل مصر وخارجها.
ولم يلبث صيته أن ذاع في العالم الإسلامي، فقرأ في الإذاعة السعودية، وتشرف بالتلاوة في الحرم النبوي الشريف أكثر من مرة، وكان ذلك غالبًا مرتبطًا بأدائه فريضة الحج التي أداها تسع مرات، حيث كانت الإذاعة السعودية تذيع تسجيلاته بمعدل أربع مرات شهريًا، لما امتاز به أداؤه من خشوع وأصالة وصدق إحساس.
حفل افتتاح السد العالي
وفي حفل افتتاح السد العالي، وُجهت الدعوة للشيخ الكلحي للقراءة، وكانت تلك المناسبة أول مرة يستمع فيها الرئيس الراحل محمد أنور السادات –رحمه الله– إلى تلاوته، فأُعجب بصوته وأدائه، وعرض عليه الاعتماد والتسجيل الفوري في الإذاعة، غير أن الشيخ آثر الزهد في الأضواء، ورفض البقاء في القاهرة، مفضلًا أن يظل قريبًا من أهله وعشيرته، قارئا للقرآن بين أبناء صعيد مصر، وفي ساحات المناسبات الدينية التي أحبها وأخلص لها.
برنامج نور على نور
وفي عام 1971م، سجل حلقة مميزة لبرنامج «نور على نور» مع الإعلامي أحمد فراج، وهي الحلقة التي أُذيعت أكثر من مرة في مناسبات دينية متعددة، وظلت شاهدًا على مكانته الرفيعة وأسلوبه المتفرد في التلاوة.
وفي صباح يوم السبت الخامس من يناير عام 2002م، رحل الشيخ محمود حسنين الكلحي إلى جوار ربه، بعد رحلة عامرة بخدمة القرآن الكريم، تاركًا إرثًا من التلاوات الخاشعة، وذكرى طيبة في قلوب محبيه وتلاميذه، وسيرة قارئ صعيدي أصيل، آثر الإخلاص على الشهرة، والرسالة على الأضواء، فبقي اسمه حاضرًا في سجل عظماء التلاوة في مصر والعالم الإسلامي.




