عاجل

الأوقاف: تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في مصر امتداد تاريخي وتمازج ثقافي

تهنئة غير المسلمين
تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

أكدت وزارة الأوقاف أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في مصر تمثل ممارسة راسخة في الوجدان الوطني، تعكس امتدادًا تاريخيّا عميقا، وتمازجا ثقافيا أصيلا، وتجسيدا عمليا لقيم التعايش والتماسك الوطني التي تميز المجتمع المصري عبر عصوره المختلفة.


وأوضحت الأوقاف أن هذه الممارسة لا يمكن النظر إليها باعتبارها سلوكا اجتماعيّا طارئا، بل هي نتاج تراكم حضاري طويل، تشكل عبر التفاعل الإنساني والديني والثقافي بين أبناء الوطن الواحد، في إطار من الاحترام المتبادل والتقدير المشترك للخصوصيات الدينية.


الجذور التاريخية: التهاني كبروتوكول رسمي وشعبي


وأشارت وزارة الأوقاف إلى أن مصر قدمت عبر تاريخها نموذجا فريدا للتعايش بين المسلمين والأقباط وغيرهم من مكونات المجتمع، حيث تشكل نسيج اجتماعي متماسك حافظ على وحدته رغم تنوعه. ولم تكن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم ظاهرة حديثة، بل تعود جذورها إلى بدايات التاريخ الإسلامي في مصر.
فمنذ الفتح الإسلامي عام (20هـ – 641م)، وضع القائد عمرو بن العاص أسسًا واضحة للتعايش، تضمنت احترام عقائد الأقباط وكنائسهم وشعائرهم الدينية، وهو ما تؤكده نصوص الأمان التاريخية التي حفظت لهم حقوقهم الدينية والاجتماعية، وجعلت من حرية ممارسة الشعائر مبدأً ثابتًا في إدارة شؤون البلاد.


كما توثق المصادر التاريخية، مثل ما ذكره المسعودي، مشاركة المسلمين والمسيحيين معًا في بعض الاحتفالات العامة، ومنها احتفالات عيد الغطاس، حيث كان الحضور المشترك يعكس حالة من الألفة الاجتماعية دون نكير أو تنافر.
وفي العصر الفاطمي، شهدت الاحتفالات القبطية ازدهارا ملحوظا، ودوّن المؤرخ المقريزي تفاصيل دقيقة عن مواسم الأعياد المسيحية، وما صاحبها من مظاهر احتفالية ومشاركة مجتمعية واسعة، بما يعكس عمق التمازج الثقافي بين المصريين، وتحول هذه المناسبات إلى جزء من الحياة العامة والذاكرة الجمعية.


ترسيخ التهاني كهوية وطنية في عصر الدولة الحديثة
على المستوى الرسمي


أوضحت الوزارة أن هذا النهج استمر في العصر الحديث، حيث حرص رؤساء الدولة المصرية المتعاقبون على مشاركة الإخوة المسيحيين مناسباتهم الدينية، وتبادل التهاني الرسمية، تأكيدًا على مبدأ المواطنة الكاملة.
ويعد حضور الرئيس الراحل جمال عبد الناصر افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بصحبة عدد من القيادات الدينية والسياسية، نموذجا بارزا لهذا التوجه، والذي جسد عمليًّا دعم الدولة لقيم الوحدة الوطنية، واحترامها للتنوع الديني بوصفه عنصر قوة لا ضعف.

وأكدت وزارة الأوقاف أن الأزهر الشريف والمؤسسات الدينية الوطنية اضطلعت بدور محوري في ترسيخ هذه الثقافة، من خلال تبادل التهاني في الأعياد الإسلامية والمسيحية، والتأكيد المستمر على أن التعايش والبر وحسن الجوار من صميم القيم الإسلامية.


واستندت وزارةالأوقاف  الأساس القرآني في هذا السياق، مستشهدة بقوله تعالى:
﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]،
إضافة إلى ما ورد في السنة النبوية من تأكيد على حسن الجوار، فضلًا عن الفتاوى المعاصرة الصادرة عن دار الإفتاء المصرية التي تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في إطار البر والتعايش السلمي.

الممارسات الشعبية 

وشددت وزارة الأوقاف على أن الممارسات الشعبية تمثل الدليل الأقوى على رسوخ هذه الثقافة في المجتمع المصري، حيث تحولت التهاني إلى عرف اجتماعي متبادل، لا يقتصر على النخب أو المؤسسات الرسمية.
ففي الريف المصري، يتبادل الجيران من المسلمين والمسيحيين التهاني والهدايا، مثل الكعك والفطير، وتشارك الأسر في الزيارات والولائم خلال الأعياد.
أما في المدن، فتتجلى مظاهر التهاني في تزيين المحال بزينة الأعياد، وتبادل البطاقات والهدايا بين الزملاء في العمل، بما يعكس اندماجًا إنسانيًّا عميقًا في تفاصيل الحياة اليومية.


التهاني في الإعلام والثقافة الشعبية


وأوضحت الوزارة أن الإعلام المصري لعب دورًا بارزًا في ترسيخ هذه القيم، حيث خصصت الصحف منذ أواخر القرن التاسع عشر مساحات واسعة لنشر التهاني، بينما جعلت الإذاعة والتلفزيون من تبادل التهاني جزءًا ثابتًا من خطاب المناسبات الدينية.
كما جسدت السينما والأدب المصريان عبر عقود طويلة صورة العلاقة التكاملية بين المسلمين والمسيحيين، ورسخت مفاهيم المواطنة المشتركة وحسن الجوار في الوعي الجمعي للأجيال المتعاقبة.

وأكدت وزارة الأوقاف أن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم في مصر ليست مجرد مجاملة اجتماعية، بل ممارسة تاريخية أصيلة، وجزء لا يتجزأ من الهوية المصرية، التي تشكلت عبر قرون من التعايش، وتستند إلى قيم دينية وإنسانية راسخة، جعلت من الوحدة الوطنية عنوانًا ثابتًا في مسيرة هذا الوطن.

تم نسخ الرابط