محامية أمريكية لنيوز رووم: اعتقال ترامب للرئيس الفنزويلي غير قانوني دوليا
استيقظ العالم اليوم على أمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وترحيله هو وزوجته من بلادهما إلى الولايات المتحدة، ما أثار تساؤلات حول قانونية القرار الذي اتخذه ترامب.
وفي هذا الشأن، أوضحت المحامية والمحللة الأمريكية في مجال حقوق الإنسان، إيرينا تسوكرمان، في تصريحات خاصة لموقع نيوز رووم، مدى أحقية ما قام به ترامب.
هل من حق ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي؟
أوضحت ايرينا أن السؤال هنا يتوقف على الإطار القانوني الذي تطبّقه، لأن الأنظمة القانونية المختلفة تصل إلى نتائج مختلفة، مشيرة أنه "لا يوجد أي جواب نظيف أو محل إجماع عالمي".
وأضافت "حتى لو افترضنا أن نيكولاس مادورو لم يكن قائدًا شرعيًا، فإن عدم الشرعية لا يؤدي تلقائيًا إلى المشروعية القانونية".
أشارت المحامية الأمريكية، أنه بموجب القانون الدولي، فإن "اعتقال واستخراج رئيس دولة قائم بحكم الأمر الواقع من داخل إقليمه بواسطة قوة أجنبية يُعدّ، في الغالب الأرجح، عملًا غير قانوني، حتى لو كانت شرعية ذلك القائد محل نزاع"، فالقانون الدولي يقوم أساسًا على مبدأ السيطرة الفعلية، لا على الشرعية الأخلاقية أو الانتخابية.
أكدت إيرينا أن الحكومة التي تمارس السيطرة على الإقليم والمؤسسات والقوات المسلحة تُعامَل باعتبارها الممثل الرسمي للدولة لأغراض السيادة، ومن هذا المنطلق، فإن الدخول القسري إلى الأراضي الفنزويلية واعتقال مادورو يُعدّ انتهاكًا لحظر استخدام القوة ولمبدأ عدم التدخل.
وهذه القواعد وُجدت تحديدًا لمنع الدول القوية من أن تقرر بشكل أحادي أي القادة "شرعيون بما يكفي" لإزاحتهم، وحتى القادة الذين وصلوا إلى السلطة عبر التزوير أو القمع أو العنف يظلون محميين بهذه القواعد، ما لم يُزالوا داخليًا أو عبر آليات مفوّضة دوليًا.
أشارت المحامية في مجال حقوق الإنسان أن القول بأن مادورو لم يكن رئيسًا شرعيًا يُضعف الاعتراف السياسي به، لكنه لا يُسقط حماية السيادة، فقد اعترفت دول عديدة بعدم شرعية مادورو من الناحية الانتخابية، ومع ذلك استمرت فنزويلا كدولة قائمة، واستمرت مؤسساتها في العمل تحت سيطرته.
ماذا يقول القانون الدولي والداخلي الأمريكي؟
يتجنب القانون الدولي عمدًا إنشاء مقياس متدرج للسيادة قائم على جودة النظام الحاكم، لأن مثل هذا النظام سيكون غير قابل للتطبيق وسهل الاستغلال، لذلك، ووفق هذا المنظور، فإن إقدام ترامب على اعتقال مادورو داخل فنزويلا سيُنظر إليه باعتباره انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، بغض النظر عن شرعية مادورو.
أما بموجب القانون الداخلي الأمريكي، أشارت إيرينا أن "الصورة أكثر غموضًا لكنها تظل إشكالية"، فالسلطة التنفيذية الأمريكية تتمتع بصلاحيات واسعة في شؤون السياسة الخارجية، خاصة عندما يُستدعى الأمن القومي أو إنفاذ القانون الجنائي، وإذا تعاملت الحكومة الأمريكية مع مادورو بوصفه زعيم شبكة إجرامية لا قائدًا سياديًا، فقد تحاول تبرير العملية باعتبارها إجراءً لإنفاذ القانون خارج الحدود.
غير أن هذا التبرير شديد الضعف عندما يكون الهدف رئيس دولة أجنبية يعمل داخل بلده. وقد اعترفت المحاكم الأمريكية عمومًا بوجود حدود لسلطة السلطة التنفيذية عندما تشبه الأفعال أعمال الحرب أكثر من كونها اعتقالات. ومن دون تفويض صريح من الكونغرس أو مبرر واضح للدفاع عن النفس، فإن مثل هذه العملية ستقع على أرض دستورية محل نزاع.
قالت إيرينا إن الادعاء بأن مادورو “ليس قائدًا شرعيًا” هو أكثر صلة بالسياسة منه بالقانون، فهو يدعم الحجج القائلة إنه يفتقر إلى التفويض الديمقراطي والسلطة الأخلاقية، لكنه لا يمنح تلقائيًا سندًا قانونيًا، فلو كانت عدم الشرعية وحدها تبرر الاعتقال القسري، لكان بوسع أي دولة قوية الادعاء بحقها في إزالة القادة الذين تراهم مزورين أو قمعيين.
ويقاوم القانون الدولي هذا المنطق لأنه يعطي الأولوية للنظام والاستقرار على العدالة في المدى القصير، على افتراض أن الفوضى تفضي إلى نتائج أسوأ.
استثناءات للقانون الدولي
أشارت المحامية الأمريكية أن هناك استثناء ضيق يُستدعى أحيانًا: وهو معاملة القائد كفاعل غير دولتي منخرط في نشاط إجرامي عابر للحدود، مثل تهريب المخدرات أو الإرهاب، مع الادعاء بأن الدولة المضيفة “غير راغبة أو غير قادرة” على التحرك.
وحتى هذا الاستثناء مثير للجدل، وغالبًا ما يُطبّق على جماعات مسلحة غير دولية، لا على رؤساء دول، وتطبيقه على مادورو سيشكّل توسعًا كبيرًا في السوابق القانونية، وسيُقابل بالرفض من أغلب الدول، حتى تلك المعادية له.
من منظور معياري أو أخلاقي، قالت إيرينا أنه قد يرى البعض أن الاعتقال كان مبررًا لأن حكم مادورو اقترن بالقمع والانهيار الاقتصادي وانتهاكات حقوق الإنسان، ولأن سبل المعالجة الداخلية استُنفدت، وقد يكون لهذا الطرح صدى أخلاقي، لكنه لا يتحول إلى تفويض قانوني بموجب القواعد الدولية القائمة، فكثيرًا ما يتباعد القانون والأخلاق بشدة في سيناريوهات تغيير الأنظمة.
قالت إيرينا: "حتى لو لم يكن مادورو قائدًا شرعيًا، فإن اعتقال ترامب له من داخل الأراضي الفنزويلية سيكون، على الأرجح الشديد، غير قانوني بموجب القانون الدولي، ومحل نزاع قانوني بموجب القانون الأمريكي، وقابلًا للدفاع عنه سياسيًا فقط عبر حجج استثنائية ومثيرة للجدل".
وأضافت أن "افتراض عدم الشرعية يقوّي الموقف السياسي، لكنه لا يعالج المخالفة القانونية. وهذا التوتر بين الشرعية والقانون والقوة هو السبب في أن مثل هذه الأفعال، عندما تقع، تُقدَّم غالبًا كأمر واقع (fait accompli) لا كسابقة قانونية مشروعة".
وحتى لو جرى تصنيف نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة باعتباره إرهابيًا دوليًا، فإن هذا التصنيف لا يجعل اعتقاله من داخل فنزويلا قانونيًا تلقائيًا بموجب القانون الدولي، ولا يحل بشكل نظيف المشكلات القانونية المطروحة. إنه يغيّر الإطار السياسي، لكنه لا يزيل جوهر مسألة السيادة.
تصنيف الإرهاب
أوضحت المحامية الأمريكية أن تصنيف “الإرهاب” ليس وضعًا قانونيًا عالميًا، فهو في الأساس تصنيف داخلي أو قائم على تكتلات، وليس حكمًا دوليًا ملزمًا ما لم يصدر عبر هيئة متعددة الأطراف مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
كما تستطيع الولايات المتحدة تصنيف أفراد أو كيانات كإرهابيين لأغراض العقوبات وتجميد الأصول والملاحقة الجنائية بموجب قانونها الداخلي، لكن هذا التصنيف يجيز إجراءات إنفاذ داخل الولاية القضائية الأمريكية أو ضد أصول خاضعة لسيطرتها، ولا يمنح حقًا عامًا باستخدام القوة داخل دولة ذات سيادة أخرى.
أضافت إيرينا أنه لا يزال القانون الدولي يعطي أولوية لسيادة الإقليم، حتى عندما يكون الشخص المستهدف متهمًا بالإرهاب. فالمعيار الذي يسمح باستخدام القوة عبر الحدود ضد الإرهابيين يُطبّق على نحو ضيق ومثير للجدل، وغالبًا ما يقتصر على فاعلين غير دوليين يعملون في مساحات غير محكومة.
أما رؤساء الدول أو الحكام الفعليون فيُعاملون بشكل مختلف لأنهم مندمجون في هياكل الدولة، وحتى عندما يُجرَّم قائد أو تُفرض عليه عقوبات، فإن الدولة نفسها لا تفقد شخصيتها القانونية، وطالما كان مادورو يمارس سيطرة فعلية على الأراضي والمؤسسات الفنزويلية وقت اعتقاله، فإن فنزويلا تظل دولة ذات سيادة بموجب القانون الدولي.
وتابعت إيرينا أن مبدأ “غير راغبة أو غير قادرة” يُعد ملاءمة ضعيفة في هذه الحالة، فهذا المبدأ مثير للجدل حتى عندما يُطبّق على جماعات مسلحة مثل داعش أو القاعدة، وتطبيقه على رئيس دولة قائم سيشكّل توسعًا كبيرًا في السوابق، لأن ذلك سيسمح للدول القوية بتصنيف القادة كإرهابيين وإزاحتهم بالقوة، ويقاوم القانون الدولي هذا المنطق تحديدًا لمنع إساءة الاستخدام.
تصنيف الرؤساء بالإرهاب لا يسقط الحصانة
وكشفت المحللة الأمريكية أن تصنيف الإرهاب لا يُسقط حصانة رؤساء الدول تلقائيًا، فالحصانة قد تكون محل نزاع عندما يغادر القادة مناصبهم أو عندما تتدخل محاكم دولية، لكن الإنفاذ الأحادي من قبل دولة أخرى يظل مشكوكًا في قانونيته. فالقانون الجنائي الدولي يعتمد عادة على آليات متعددة الأطراف، أو طلبات تسليم، أو اعتقال داخلي بعد تغيير النظام. واختطاف قائد بالقوة يتجاوز هذه المسارات.
وبموجب القانون الأمريكي الداخلي، يعزز تصنيف الإرهاب حجة السلطة التنفيذية بأن الهدف مجرم لا فاعل سياسي شرعي، ويمكن أن يبرر لوائح اتهام ومصادرة أصول ومذكرات توقيف، لكن استخدام القوة العسكرية أو العمليات السرية للقبض على قائد أجنبي داخل بلده يظل على أرض دستورية هشة دون تفويض صريح من الكونغرس، وتسميته “إنفاذ قانون” لا يغيّر حقيقة أنه يشبه عملًا حربيًا أكثر مما يشبه اعتقالًا.



