عاجل

سائل: ما حكم صيـام النوافل لمن لا يلتزم في الصلاة؟

الصيام
الصيام

أوضحت دار الإفتاء أن صيـام من لا يصلي صحيحٌ، مع كونه غير ممتثلٍ للأوامر الشرعية الموجبة للصلاة، وينبغي على كلِّ مكلف أن يجتهد في أداء الفرائض التي فرضها الله عليه على قدر طاقته واستطاعته؛ حتى يصلَ إلى تمام الرضا مِن الله سبحانه وتعالى، ويكون محلًّا للقبول والرحمة منه، وحتى يكون قربه من الله وزيادة ثوابه وقبوله أوفر حظًّا ونصيبًا ممَّن يؤدي بعض الفرائض ويترك بعضها الآخر.

حكم صيام من لا يصلي

إن الإسلام دِينٌ كاملٌ ومتكاملٌ تَشُدُّ أركانُهُ بعضها بعضًا، فلا يليق بالمسلم أن يأتي ببعض الأركان ويترك أخرى، فالمسلم مأمورٌ بأداء كلِّ عبادةٍ شرعها الله تعالى من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها مما افترض الله عليه إن كان من أهل التكليف المخاطَبين بذلك، وعليه أن يلتزم بها جميعًا، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، وجاء في تفسيرها: أي: التزموا بكلِّ شرائع الإسلام وعباداته، ولا يجوز له أن يتخير بينها ويُؤدِّيَ بعضًا ويترك بعضًا فيقع بذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.

قال الإمام الطَّبَرِيُّ في جامع البيان: تأويل ذلك: دعاء للمؤمنين إلى رفض جميع المعاني التي ليست مِن حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيء مِن حدوده.
وقال الإمام الْـمَاوَرْدِيُّ في النكت والعيون: والدخول في السِّلْم: العمل بشرائع الإسلام كلها.

ومع ذلك فصحة هذه العبادات موقوفة على تحقق شروطها وأركانها، ولا تَعَلُّق لهذه الأركان والشروط بأداء العبادات الأخرى، فإذا أدَّاها المسلم على الوجه الصحيح مع تركه لغيرها من العبادات فقد أجزأه ذلك وبرئت ذمتُه من جهتها، ولكنه يأثم لعدم فعل العبادة التي لم يؤدها، فمن صـام وهو لا يصلي فصومه صحيح غير فاسد؛ لأنه لا يُشتَرَط لصحة الصوم إقامة الصلاة، ولكنه آثمٌ شرعًا مِن جهة تركه للصلاة، ومرتكب بذلك لكبيرةٍ من كبائر الذنوب، ويجب عليه أن يبادر بالتوبة إلى الله تعالى، أما مسألة الأجر فموكولة إلى الله تعالى، غير أن الصائم المُصَلِّي في الجملة أرجى قَبولًا ممن لا يُصلي.

قال الإمام السَّرَخْسِيُّ في المبسوط: والعبادة لا تبقى بدون شروطها كما لا تبقى بدون ركنها.
وقال العلَّامةُ الصَّرْصَرِيُّ في شرح مختصر الروضة: الصحة في العبادات: وقوع الفعل كافيًا في سقوط القضاء، وقيل: موافقة الأمر.
معنى هذا: أن العلماء اختلفوا في معنى صحة العبادات؛ فالفقهاء قالوا: الصحة وقوع الفعل كافيًا في سقوط القضاء، كالصلاة الواقعة بشروطها وأركانها مع انتفاء موانعها، فكونها كافية في سقوط القضاء، أي: أنها لا يجب قضاؤها: هو صحتها.
وقال العلَّامةُ الزَّرْكَشِيُّ في البحر المحيط: أما الصحة في العبادات فاختلف فيها، فقال الفقهاء: هي وقوع الفعل كافيًا في سقوط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فكونها لا يجب قضاؤها: هو صحتها.
وقال العلَّامةُ العَطَّارُ في حاشيته على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع: الصحة أمر عقلي، والمراد بما يعتبر: الشروط والأركان وانتفاء الموانع، والمراد: استجماعه.

الاستقامة على أمر الله تعالى بأداء جميع الأوامر والانتهاء عن جميع النواهي

هذا لا يعني أن يتهاون المُكَلَّفُ في أداء الصلاة المفروضة؛ لكونها عماد الدين وأول أركانه، ولا يوجد عذرٌ يمنع المكلف بها مِن القيام بها أداءً أو قضاءً، ولا يصح أن يتهاون أي مُكَلَّفٍ في أداء بعض المأمورات مكتفيًا بأداء البعض الآخر؛ إذ الأصل أن يستقيم الإنسان على أمر الله تعالى بأداء جميع الأوامر والانتهاء عن جميع النواهي؛ وذلك حتى يحقق شرط الاستقامة المأمور به، ومما لا شك فيه أن الملتزم بجميع حدود الله تعالى وأوامره أفضل حالًا من المتهاون فيها أو في بعضها.

فعَن سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قال: قلت: يا رسول الله حدِّثني بأمر أعتصم به، قال: «قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ»، قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليَّ، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: «هَذَا»، رواه الترمذي، وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح.

قال العلَّامةُ مظهر الدين الزَّيْدَانيُّ الشِّيرازيُّ الحَنَفيُّ المشهورُ بالمُظْهِري في المفاتيح في شرح المصابيح: وقوله عليه السلام: «ثم استقم»: لفظٌ جامعٌ للإتيانِ بجميع الأوامر، والانتهاءِ عن جميع المناهي؛ لأنه لو ترك أمرًا لم يكن مستقيمًا على الطريق المستقيم، بل عَدَل عنه حتى يرجع إليه، ولو فعل منهيًّا، فقد عَدَلَ عن الطريق المستقيم أيضًا حتى يتوب.

وعلى مستوى آخر فالإنسان مطالب بالانتهاء عن جميع المناهي وإتيان الأوامر ما كان في حدود الاستطاعة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه.

وتحتل الفرائض المرتبة الأولى في القُرب والعبادات؛ فهي أحبها إلى الله عز وجل وأشدها إليه تقريبًا.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ…» الحديث، أخرجه الإمام البخاري في الصحيح.

قال الإمام الْبَيْضَاوِيُّ في تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة: أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى هي الفرائض التي افترضها عليه…
وقال العلَّامةُ نَجْمُ الدِّينِ الطُّوفِيُّ في التعيين في شرح الأربعين: اعلم أن التقرب إلى الله تعالى إما أن يكون بالفرائض أو بالنوافل، وأحبها إلى الله عز وجل وأشدها إليه تقريبًا الفرائض.

الرد على من يزعم أن فعل المعصية يحبط ما قدمه الإنسان من طاعة أو يفسدها

القول بأن فعل المعصية يحبط ما قدمه الإنسان من طاعة أو يفسدها فتكون بلا أثر ولا مثوبة، قول غير صحيح ولا اعتبار له؛ إذ يشتمل على مفاسد عقدية، وادعاءات تتعارض في مجملها مع رحمة الله تعالى وفضله، بل ومع إحسانه وعدله؛ فقد تقرر أن الله تعالى يضاعف الحسنات إلى أضعاف مضاعفة، ولا يجازي على السيئة إلا مثلها أو يعفو.

قال الإمام الرَّازِيُّ في مفاتيح الغيب: لو انحبط ذلك الثواب لكان إما أن يحبط مثله من العقاب أو لا يحبط، والقسمان باطلان…
وقال الإمام الآمِدِيُّ في أبكار الأفكار: إن التقابل بين الطاعة والمعصية إنما يتصور في فعل واحد بالنسبة إلى جهة واحدة…

وقد تجلَّى ذلك الفهم لدى العلماء من خلال شرحهم لحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ»، أخرجه الإمام البخاري في الصحيح.

قال الإمام ابن عبد البر في التمهيد: حبط عمله، أي: حبط عمله فيها…
وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: الشرع ورد في العصر ولم تتحقق العلة في هذا الحكم…
وقال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: قد حبط عمله أي: بطل كمال عمل يومه ذلك…

والذي يجدر التنبيه إليه أن المسلم الذي يسعى للحفاظ على الصلاة ثم تغلبه نفسه بترك بعض الأوقات منها، مع علمه بفرضيتها، ينبغي أن يُحثَّ على الطاعة ولا يُيَأَّسَ من رحمة الله، ولا يُشَكَّك في قبول أعماله الصالحة، فإن أبواب الخير متى فُتِحت قادت إلى غيرها، ومن ترك بينه وبين الله بابًا مفتوحًا فتح الله له به أبواب التوفيق والسداد.

تم نسخ الرابط