عاجل

ما حكم رد السلام أثناء تلاوة القرآن؟.. دار الإفتاء توضح

السلام
السلام

ما حكم رد السلام أثناء تلاوة القرآن؟سؤال أجابت عنه دار الإفتاء، حيث قررت أن رد قارئ القرآن السلام على من يُسلِّم عليه مشروع، والخلاف فيه دائر بين الوجوب وعدمه؛ فيَسَعُ الرجل الذي يقرأ القرآن رد السلام أو عدمه، من غير إثم عليه في ذلك ولا حرج. لكن إذا عَلِم أن ترك الرد قد يترتب عليه أثر سلبي في نفس المُسلِّم عليه، فالرد حينئذ أولى، ولو إشارة باليد؛ جبرًا لخاطره، وحفاظًا على روح المحبة، وتعميقًا لأواصر الأخوة.

بيان فضل السلام

السلام تحية منَّ الله تعالى بها على أهل الإسلام؛ قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾. وقد أُمِرنا بإلقاء السلام وإفشائه في المجتمع عامة؛ لما فيه من بر وإكرام. فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِمُ الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف». وقال الإمام أبو سليمان الخطابي في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وتقرأ السلام»: ثم جاء إلى بيان ما يكون به قضاء حقوقهم من الأقوال، فجعل خيرها وأوسعها في البر والإكرام إفشاء السلام، وجعله عامًا لا يخص به من عرف دون من لم يعرف؛ ليكون خالصًا لله، بريئًا من حظ النفس والتصنع؛ لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع.

حكم إلقاء السلام وردّه

أجمع الفقهاء على أن إلقاء التحية والسلام سُنَّة مرغَّب فيها، وأن ردَّه واجب في حق المنفرد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وقال الإمام ابن حزم: اتفقوا على أن المار من المسلمين على الجالس أو الجلوس منهم يقول: السلام عليكم، واتفقوا على إيجاب الرد بمثل ذلك. وقال الإمام القرطبي: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنَّة مرغَّب فيها، وردَّه فريضة.

حكم إلقاء السلام على قارئ القرآن ورد السلام منه

استثنى جمهور الفقهاء من الحنفية، وبعض أئمة المالكية، وبعض أئمة الشافعية، والحنابلة، من وجوب رد السلام على من يُلقيه المواطن التي لا يتمكن فيها المتلقي من رد السلام؛ مراعاةً لحاله حتى لا يقع في الحرج، ومن هؤلاء قارئ القرآن، فلا يجب عليه رد السلام على من يُسلِّم عليه، لا باللفظ ولا بالإشارة. قال زين الدين ابن نجيم الحنفي: يُكره السلام على المصلي والقارئ، ولو سُلِّم عليهم لا يجب عليهم الرد؛ لأنه في غير محله. وجاء في رد المحتار: يُكره السلام على العاجز عن الجواب حقيقة كالمشغول بالأكل أو الاستفراغ، أو شرعًا كالمشغول بالصلاة وقراءة القرآن، ولو سُلِّم لا يستحق الجواب. وقال أيضًا: كل محل لا يُشرع فيه السلام لا يجب ردّه. وقال العلامة ابن الحاج المالكي: أربعة لا يُسلَّم عليهم، فإن سُلِّم عليهم أحد فلا يستحق جوابًا: الآكل، وزاد بعض الناس قارئ القرآن. وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي: القارئ كغيره في استحباب السلام عليه ووجوب الرد باللفظ على من سلَّم عليه، أما إذا كان مشتغلًا بالدعاء مستغرقًا فيه، مجتمع القلب عليه، فيُكره السلام عليه؛ لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل، وقال الأذرعي: وإذا اتصف القارئ بذلك فهو كالداعي، بل أولى، لا سيما المستغرق في التدبر. وجاء في حاشية البجيرمي أن المواضع التي لا يجب رد السلام فيها كثيرة، ومنها حالة قراءة القرآن. وقال أبو السعادات البهوتي الحنبلي: يُكره السلام على تالٍ للقرآن، ومن سلَّم في حالة لا يُستحب فيها السلام لم يستحق جوابًا.

قول المالكية والشافعية في المعتمد

ذهب المالكية والشافعية في المعتمد إلى أن قارئ القرآن كغيره، فيجب عليه رد السلام لفظًا على من يُلقي عليه السلام. قال العلامة أبو البركات الدردير المالكي: لا يُكره السلام على مصلٍّ، ولا متطهر، ولا آكل، ولا قارئ قرآن. وقال العلامة الدسوقي: ويجب عليهما الرد. وقال الإمام النووي الشافعي: ويلزم القارئ رد السلام باللفظ. وقال شمس الدين الرملي الشافعي: يُندب السلام على القارئ وإن اشتغل بالتدبر، ويجب ردّه.

الرد بالإشارة

وذهب جماعة من الفقهاء إلى أن قارئ القرآن يُشرع له أن يرد السلام بالإشارة دون اللفظ، فإن رد باللفظ استأنف التلاوة بالاستعاذة مرة أخرى ثم يعود لقراءة القرآن. قال الإمام النووي: قال الواحدي من أصحابنا لا يُسلِّم المار، فإن سلَّم رد عليه القارئ بالإشارة. وقال أيضًا: أما المشتغل بقراءة القرآن فالأولى ترك السلام عليه، فإن سلَّم كفاه الرد بالإشارة، وإن رد باللفظ استأنف الاستعاذة ثم يقرأ.

وبناءا على ذلك

يتحصَّل مما سبق أن مبنى هذه المسألة على السَّعة، فيجوز العمل فيها بأي قول من أقوال الفقهاء بلا إثم ولا حرج، ويُترك الأمر لقارئ القرآن وتقديره لما يحسن فعله بحسب حاله، وحال المُسلِّم عليه، وما جرت به عادة الناس عنده، بما يحقق مقصود الشارع من السلام، وهو نشر الألفة والمحبة بين الناس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم».

تم نسخ الرابط