عاجل

ما حكم إقامة صلاة الجمعة في الزوايا المتقاربة؟.. الإفتاء توضح

الجمعة
الجمعة

أكدت دار الإفتاء أن الأصل أن تُصلَّى الجمعة في المسجد الكبير الذي يسع المصلين، فإن ضاق أو بَعُدت المسافة بحيث لا يستطيع المصلون الذهاب إليه إلا بمشقة، فحينئذ تجوز صلاة الجمعة في الزوايا ولا حرج فيها، على أنَّه ينبغي مراعاة ضوابط الجهات المنظمة لإقامة الجمعة في الزوايا.

بيان اختصاص الأمة المحمدية بصلاة الجمعة

صلاة الجمعة من الفضائل التي اختص الله بها الأمة المحمدية، وشرفها بها، وحثها على السعي إليها والاجتماع فيها والاحتشاد لها، ومما يزيد في فضلها وشرفها ثبوت فرضيتها بقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون؛ وذلك توخيا لمعنى الترابط والائتلاف بين المسلمين.

قال العلامة أبو الحسن ابن بطال في شرح صحيح البخاري متحدثا عن فضيلة هذا اليوم وهداية الله هذه الأمة إليه: يوم الجمعة ذخَره لهذه الأمة، وهداهم له تفضلا منه عليها؛ ففضلت به على سائر الأمم.

مكان إقامة صلاة الجمعة

من الأحكام الخاصة بصلاة الجمعة مكان إقامتها، أي: المكان الذي تؤدى فيه، والحديث في هذه المسألة يأتي من جهتين:
الأولى: من حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا.
الثانية: من حيث حكم تعدد الجمعة في البلدة الواحدة.

حكم صلاة الجمعة في الزوايا

أما من حيث حكم صلاة الجمعة في الزوايا، فإن صلاة الجمعة في الزوايا جائزة، إذ ليس من شروط صحتها المسجد، بل تجوز في الفضاء الخالي من البناء وفي الزوايا وفي المصلى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة؟ فكتب: جمعوا حيثما كنتم. رواه ابن أبي شيبة في مصنفه.

وهذا يدل على أن إقامة الجمعة تجوز في أي مكان من القرى والمدن والفناء وغير ذلك من الأماكن.

قال العظيم آبادي في عون المعبود: وذهب البعض إلى اشتراط المسجد، قال: لأنها لم تقم إلا فيه، وقال أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء: إنه غير شرط، وهو قوي إن صحت صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي، وقد روي صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في بطن الوادي ابن سعد وأهل السير، ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها في المسجد على اشتراطه.

وعلى هذا الذي ذكرناه ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، على اختلاف بينهم في التفاصيل، فقد اشترط الحنفية المصر وتوابعه، والمراد بالمصر: كل بلدة فيها أسواق ووال وعالم يرجع إليه في أمور الدين. أما الشافعية فإنهم يشترطون أن تكون صلاة الجمعة في حدود الأبنية، بينما يرى الحنابلة اشتراط القرب من البنيان.

قال الإمام أبو بكر الحدادي في الجوهرة النيرة عند الكلام على أحكام صلاة الجمعة: قوله أو في مصلى المصر لأن له حكم المصر، وليس الحكم مقصورا على المصلى، بل تجوز في جميع أفنية المصر، وقدروه بمنتهى حد الصوت.

وقال الإمام محيي الدين النووي في المجموع عند كلامه أيضا على أحكام صلاة الجمعة: قال أصحابنا: ولا يشترط إقامتها في مسجد، ولكن تجوز في ساحة مكشوفة بشرط أن تكون داخلة في القرية أو البلدة معدودة من خطتها، فلو صلوها خارج البلد لم تصح بلا خلاف، سواء كان بقرب البلدة أو بعيدا منه، وسواء صلوها في كن أم ساحة؛ ودليله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، ولم يصل هكذا.

حكم تعدد الجمعة في أماكن متعددة من البلدة الواحدة

يضاف لذلك أن جمهور العلماء أجازوا تعدد الجمعة في المكان الواحد ما دامت مقاصد الجمعة قد تحققت، وهي ظهور شعائر الدين، والموعظة، وتأليف بعض المؤمنين ببعض لتراحمهم وتوادهم، كما أورد ذلك تقي الدين السبكي في فتاويه.

غير أن منهم من أطلق التعدد ومنهم من قيده بالحاجة، وعلى قول من قيد بالحاجة لا يمتنع إقامتها أيضا؛ لأن مجتمعنا الآن لا يخلو من هذه الحاجة المذكورة في كلام الفقهاء، فكبار السن والمرضى في كل مكان يشق عليهم الإتيان للمسجد الجامع، وكذلك من أصحاب المهن من يضيق عليه وقته فيضطر إلى أن يصلي في أقرب مكان له، وغير ذلك من الحاجات المتداعية الآن.

وينضاف إلى ما سبق أن الجمعة تقام في بلاد المسلمين في البلدة الواحدة في أماكن متعددة من غير نكير من أحد، فكان ذلك إجماعا.

قال الإمام زين الدين ابن نجيم في البحر الرائق: يصح أداء الجمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وهو الأصح؛ لأن في الاجتماع في موضع واحد في مدينة كبيرة حرجا بينا، وهو مدفوع.

وقال الإمام النفراوي في الفواكه الدواني: وإن تعدد: فالجمعة للعتيق، إلا أن يكون البلد كبيرا؛ بحيث يعسر اجتماعهم في محل ولا طريق بجواره تمكن الصلاة فيها فيجوز حينئذ تعدده بحسب الحاجة، كما ارتضاه بعض شيوخ المذهب، ولعل الأظهر حاجة من يغلب حضوره لصلاتها ولو لم تلزمه كالصبيان والعبيد؛ لأن الكل مطلوب بالحضور ولو على جهة الندب، وينبغي أن يلحق بذلك وجود العداوة المانعة من اجتماع الجميع في محل واحد، بل لو قيل: إن هذا أولى لجواز التعدد لما بعد.

قال الشيخ الكشناوي في أسهل المدارك معلقا عليه: وفي بعض تقييدات هذا المحل لبعض الأفاضل أنه قال: ورجح المتأخرون جواز تعدد الجمعة، وعليه العمل عندنا بالمغرب، وهو الصواب، إلى آخر ما قال.

وقال الإمام العبادي في حاشيته على الغرر البهية: والظاهر أن من الحاجة ضيق محل واحد عن الجميع، فلو تعددت المساجد، ولم يكن فيها ما يسع الجميع، فالظاهر أنه لا كراهة من حيث التعدد للحاجة، لكن هل الأفضل حينئذ فعلها في مساجد البلد لشرف المساجد، أو في الصحراء احترازا من تعدد جماعتها؟ فيه نظر، ولا يبعد أن الأقرب الأول؛ لشرف المساجد، ولا أثر للتعدد مع الحاجة إليه.

وقال الإمام الموفق ابن قدامة في الكافي في معرض حديثه عن تعدد الجمع: وإن احتيج إلى أكثر منها جاز؛ لأنها تفعل في الأمصار العظيمة في جوامع من غير نكير، فصار إجماعا، ولأنها صلاة عيد جاز فعلها في موضعين مع الحاجة كغيرها.

فعلم من ذلك وتأكد أن عمل المسلمين قد استمر على تعدد الجمع في البلاد، وأن القول بالمنع يؤدي إلى حرج على الأمة وزيادة مشقة عليها، والله سبحانه يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج، كما أنه يؤدي إلى إبطال صلاة خلق كثير في أعصار متعددة.

الرجوع للجهات المختصة بتنظيم الصلاة في الزوايا

تجدر الإشارة إلى أن تعدد الجمع وإن كان جائزا من حيث الحكم الشرعي، إلا أنه ينبغي الرجوع إلى الجهات المختصة بذلك، فالأمر موكول إليها لتنظيم الصلاة في هذه الزوايا حسب المصلحة المقتضية وفق ما ترتئيه هذه الجهات.

تم نسخ الرابط