تناقضات ترامب بين وعوده بالسلام العالمي وواقع الاستراتيجية
بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ولايته الثانية تحت شعار “لا للحروب الأبدية”، بتعهدات واسعة، شملت إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا خلال 24 ساعة، ووضع “أمريكا أولاً”، وأعلن أنه سيسحب القوات الأمريكية من العراق وسوريا، مؤكداً أنه وضع حدًا لثماني حروب، ومتفاخرا أنه أول رئيس أمريكي منذ أجيال لم يُطلق حربًا جديدة.
لكن الاحداث السياسة علي الساحة تؤكد العكس تماما، فمع اقتراب نهاية عام 2025، واقتراب ترامب من ذكرى عام على تسلمه لولايته الثانية، و لا تزال الحرب الروسية الأوكرانية مستمرة، فضلا عن وجود تغيرات كبيرة تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي أدت إلى إعادة وضع القوات الأمريكية في العراق، وسوريا، وتحول الأنظار إلى منطقة أمريكا اللاتينية مع فتح جبهات جديدة تحت عنوان الحرب على المخدرات مع فنزويلا.

وأثارت تحركات حالة من الارتباك داخليًا وخارجيًا، لا سيما أنها تتناقض إلى حد كبير مع شعار “أمريكا أولاً” الذي يرفعه ترمب.
لتأتي استراتيجية الأمن القومي الجديدة و تساهم في توضيح جانب من هذه التساؤلات، فهذه الاستراتيجية التي غيرت بشكل جذري من الأولويات الأمريكية ، مستلهمة بعضا من عقيدة مونرو بصيغة ترمبية جديدة، وقد كشفت الاستراتيجية بوضوح أن التصدي للهجرة الغير الشرعية وتعزيز حماية الحدود يشكلان أساس الاستراتيجية الأمنية، وهذان من أحد الأسباب التي دفعت ترامب إلى فتح جبهة فنزويلا، على حد قوله، إضافة إلى حرب على المخدرات التي تهرب إلى الولايات المتحدة، وتؤذي الأمريكيين، لتصب المواجهة أيضاً في قائمة “أمريكا أولاً”، وتهدف إلى حماية الولايات المتحدة.

غير أن اللافت في الاستراتيجية الجديدة هو تركيزها الواضح على أمريكا اللاتينية، التي وصفها البيت الأبيض بالفناء الخلفي للولايات المتحدة، حيث وضعت واشنطن خطأ أحمر يمنع أي نفوذ غير أمريكي في المنطقة، بل وأشارت بعض التقارير إلى أن الأهداف الأمريكية هناك تتخطى التوجه على ملفات الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات، بل تمتد إلى السعي لتغيير أنظمة حكم، بدءًا من نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، وصولًا إلى النظام الكوبي، في تناقض واضح مع الاستراتيجية نفسها التي انتقدت سابقًا سياسات تغيير الأنظمة التي انتهجتها إدارات سابقة.

وقد تنسجم هذة السياسات مع وزير الخارجية ماركو روبيو، كوبي الاصل، الذي بنى مسيرته السياسية متوعدا بالتصدي للأنظمة اليسارية في أميركا اللاتينية. وهذا ما تحدث عنه هيوجو لورانس، السفير الأمريكي السابق لدى هندوراس والمستشار السابق لشؤون فنزويلا، حيث قال إن روبيو يُعد من أكثر الأصوات تشددًا داخل الإدارة تجاه اليسار في المنطقة، ويرى فنزويلا عدو وهو من بين أعضاء الإدارة الذين يودون تغيير النظام في فنزويلا.
في المقابل حذر أعضاء من حركة ماغا من الدخول في هذه المعركة، ولهذا يحاول ترامب التركيز على قضية المخدرات الشعبوية، والسعي دبلوماسياً للضغط على مادورو لمغادرة البلاد من دون الدخول في عملية عسكرية مع فنزويلا.
ولم يكتفي رئيس السلام بفتح جبهة أمريكا اللاتينية فقط، بل عمل على إحداث تغيير آخر في إدارته قد أربك الأوساط السياسية في واشنطن، و هذه المرة من وزارة الدفاع الأمريكية و التي أصبحت في عهده الثاني رسمياً وزارة الحرب، ما جعل رسائل ترامب تبدو متناقض تماما حيال وعوده بإنهاء الحروب والواقع الذي تشهده المنطقة، وهو أمر يحذر جيم تاونسند نائب مساعد وزير الدفاع السابق لسياسة الناتو وكبير الباحثين في مركز الأمن الجديد تاونسند من أنه يشتت الانتباه عن الأمور المهمة التي يتعين على الولايات المتحدة القيام بها، ومنها تفاصيل تطبيق استراتيجية الأمن القومي بشكل واضح وتموضع القوات الأمريكية في هذا العالم الخطير للغاية الذي نعيش فيه الآن، على حد وصفه.
ودائما ما يتفاخر لرئيس الأمريكي في خطاباته ويقول إنه تمكن من إنهاء ثماني حروب في عهده الثاني، ويستاء بأنه لم يحصل على جائزة نوبل للسلام بالرغم من جهوده، فما هذه الحروب التي أنهاها؟

الكونغو- رواندا
بينما احتفلت إدارة ترمب بتوقيع اتفاق سلام بين الكونغو ورواندا في يونيو 2025 لإنهاء عقود من النزاع، إلا أن أعمال العنف لا تزال مستمرة بين الجيش في كونغو وحركة إم 23 المسلحة.
إسرائيل - إيران
استطاع ترامب من خلال الضربات الحريم على المفاعلات النووية من كبح جماح طهران ، إلا أن التوترات بين الطرفين مستمرة في غياب اتفاق سلام ملموس.
إثيوبيا ومصر
لا حرب فعلية بين البلدين لإنهائها، بل اختلافات على سد النهضة لم تشهد أي تطورات حتى الآن
الهند - باكستان
وفيما يتعلق بالحرب بين الهند وباكستان، فقد تمكن ترمب من وقف التصعيد بين الطرفين الذي قد يؤدي إلى حرب عبر التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار في مايو 2025، لكن التوترات التاريخية مستمرة بين القوتين النوويتين.
أرمينيا - أذربيجان
في 8 أغسطس 2025 شهد البيت الأبيض توقيع اتفاق سلام بين أرمينيا وأذربيجان أنهى صراعاً تاريخياً وحرباً مستمرة بدأت منذ أكثر من ثلاثة عقود، وحلت النزاع على إقليم ناغورني قرة باغ.
تايلاند - كمبوديا
تدخل ترامب في صيف 2025، بعد اشتباكات حدودية بين تايلاند وكمبوديا على الحدود، مستخدماً الرسوم الجمركية، ليدفع الدولتين للموافقة على هدنة مؤقتة، وفي 26 أكتوبر 2025، أثناء قمة آسيان في كوالالمبور، تم التوقيع على اتفاق تهدئة موسّع بين قادة البلدين.
صربيا وكوسوفو
كتب ترامب عبر منصته تروث سوشيال :"كانت صربيا وكوسوفو على وشك الاشتباك، وكانت ستندلع حرب كبيرة. قلت لهما: إذا اشتبكتما، فلن تكون هناك تجارة مع الولايات المتحدة، فقالا: حسناً، ربما لن نفعل ذلك" ، لكن ورغم وجود نزاع قديم بين البلدين، فإنهما لم يكونا في حالة حرب فعلية، لكن البيت الأبيض يذكر بالجهود الدبلوماسية التي بذلها ترمب في ولايته الأولى حين وقع البلدان اتفاقات لتطبيع العلاقات الاقتصادية في المكتب البيضاوي عام 2020، لكنهما لم يكونا في حالة حرب في ذلك الوقت.
قطاع غزة
أما حرب غزة، والنزاع مع إسرائيل، فهو موضوع معقد وشائك، صحيح أن ترامب تمكن قد توصل إلى وقف إطلاق النار، إلا أن اتفاق السلام الشامل الذي طرحه يشهد تحديات عديدة ، ويغيب عن أي ذكر لحل الدولتين الذي تطالب به دول المنطقة.
حرب السودان
بعد وعود الرئيس الأمريكي بالتدخل شخصياً لحل الأزمة، لا تزال جهود التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مستمرة من دون أي تقدم ملموس في حرب مستمرة منذ أكثر من عامين.



