لم تعد التحولات التي تشهدها المنطقة العربية مجرد أزمات متفرقة يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً عابرة أو صراعات محصورة في نطاقها الجغرافي، بل أصبحت تعبيراً عن إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى والنفوذ، وتغيراً متسارعاً في طبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية، فمن الحرب في قطاع غزة وتداعياتها على القضية الفلسطينية، إلى استمرار الأزمة السودانية، وتعقيدات المشهد الليبي، والتوترات في البحر الأحمر وباب المندب، وصولاً إلى التحولات في معادلات الأمن الإقليمي والشرق أوسطي، تبدو المنطقة أمام مرحلة تتراجع فيها قواعد الاستقرار التقليدية، وتتزايد فيها أهمية الدول القادرة على الجمع بين الثقل السياسي والقدرة على التأثير والاتصال بمختلف أطراف المعادلة.
وفي قلب هذه التحولات تبرز مصر باعتبارها أحد أهم مرتكزات الإقليم ، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي وإمكاناتها الاستراتيجية، وإنما أيضاً لما تمتلكه من رصيد تاريخي وسياسي ودبلوماسي، يجعلها طرفاً رئيسياً في أي ترتيبات قد تستهدف احتواء الأزمات ومنع اتساع نطاق الصراعات ، فكلما دخل الإقليم مرحلة من السيولة الاستراتيجية، ازدادت الحاجة إلى دور مصري قادر على تحقيق التوازن، وصياغة مساحات مشتركة بين المصالح العربية المتباينة، والحفاظ على الحد الأدنى من تماسك النظام الإقليمي.
أولا : التحولات الجيوسياسية وإعادة تعريف الأمن القومي العربي:
يشهد الشرق الأوسط تحولات تتجاوز في طبيعتها حدود الصراعات التقليدية ، فالتنافس لم يعد مقتصراً على النفوذ السياسي أو التفوق العسكري، بل امتد ليشمل السيطرة على الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والمياه، والقدرة على التأثير في مسارات التسويات السياسية ، كما باتت الأزمات الداخلية قابلة للتحول سريعاً إلى تهديدات عابرة للحدود، بفعل تشابك الفاعلين الإقليميين والدوليين وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية.
ومن ثم، لم يعد الأمن القومي العربي قابلاً للاختزال في حماية الحدود الوطنية لكل دولة على حدة، بل أصبح يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة الدول العربية على حماية المجال الاستراتيجي المشترك، ومنع تحوله إلى ساحة مفتوحة للتدخلات الخارجية والصراعات بالوكالة ، فاضطراب دولة عربية لا يظل محصوراً داخل حدودها، وإنما قد ينعكس على أمن جيرانها، وعلى حركة التجارة والاستثمار، وعلى توازنات القوة في محيطها الجغرافي الأوسع.
وفي هذا السياق، تكتسب مصر " أهمية استثنائية " ، باعتبارها دولة تتقاطع عندها دوائر استراتيجية متعددة، تشمل المشرق العربي، والقرن الأفريقي، وحوض النيل، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط ، وهذا الموقع يجعل استقرارها وقدرتها على الحركة الدبلوماسية والسياسية عاملاً مؤثراً في استقرار الإقليم بأكمله
أولا : المواجهة الإيرانية الأمريكية وإعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي :
تمثل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، إذ لم تعد تداعياتها محصورة في البرنامج النووي الإيراني أو طبيعة النفوذ الأمريكي في المنطقة، بل امتدت لتشمل أمن الخليج العربي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وأسواق الطاقة العالمية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المشرق العربي ، وقد كشفت المواجهات العسكرية والتوترات البحرية المتصاعدة خلال عام 2026 عن حجم المخاطر المرتبطة بتحول التنافس بين الطرفين إلى صراع مفتوح، خاصة مع اتساع نطاق الاستهدافات العسكرية وتداخل المسارات التفاوضية مع اعتبارات الردع والضغط السياسي ، رغم استمرار التحركات الدبلوماسية بوساطة إقليمية، فإن الفجوة بين مواقف واشنطن وطهران لا تزال واسعة، بما يبقي احتمالات التصعيد قائمة.
وتكمن خطورة هذه المواجهة بالنسبة للأمن القومي العربي في أنها تضع عدداً من الدول العربية أمام تداعيات استراتيجية واقتصادية وأمنية مباشرة، سواء نتيجة تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، أو احتمالات اتساع نطاق المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، بما فيها العراق واليمن ولبنان ، كما أن اضطراب حركة التجارة والطاقة ينعكس على اقتصادات المنطقة، ويزيد من الضغوط على أمن الإمدادات وسلاسل النقل البحري، فضلاً عن احتمالات انتقال المواجهة إلى البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يضاعف أهمية الترابط بين أمن الخليج وأمن قناة السويس والممرات البحرية العربية .
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المصري باعتباره دوراً معنياً بمنع تحول التنافس الإيراني الأمريكي إلى مواجهة إقليمية شاملة، والعمل على احتواء تداعياته عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، بالتوازي مع تعزيز التنسيق العربي لحماية أمن الدول ومقدراتها وسيادته ، فالقاهرة تدرك أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق من خلال فرض معادلات القوة أو توسيع دوائر الاستقطاب، وإنما عبر بناء ترتيبات أمنية إقليمية تحترم سيادة الدول وتراعي مصالحها المشروعة ، ومن ثم، فإن التحدي أمام مصر لا يقتصر على التعامل مع تداعيات المواجهة الراهنة، بل يمتد إلى المساهمة في بلورة " رؤية عربية" أكثر استقلالاً وتماسكاً تجاه مستقبل الأمن الإقليمي، تحول دون ارتهان استقرار المنطقة لحسابات الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية.
ثانيا : غزة والقضية الفلسطينية: اختبار مركزي للدور المصري:
تظل القضية الفلسطينية إحدى أهم القضايا المرتبطة مباشرة بالأمن القومي المصري والعربي ، فالتطورات في قطاع غزة لا تمثل أزمة إنسانية وسياسية فحسب، وإنما تطرح تحديات استراتيجية تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، وأمن الحدود المصرية، واحتمالات التهجير القسري، وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي في المنطقة.
وتنبع أهمية الدور المصري من حقيقة أن القاهرة ليست مجرد وسيط أو قناة اتصال بين الأطراف، بل إن مصر هي " صاحبة الملف " تمتلك عناصر تأثير متعددة، بحكم اتصالها المباشر بالملف الفلسطيني، وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وخبراتها الطويلة في إدارة مسارات التهدئة والتفاوض ، وقد أكدت مصر باستمرار رفضها لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير الفلسطينيين من أرضهم، وتمسكها بضرورة التوصل إلى تسوية عادلة شاملة تستند إلى حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
والأهم أن التحرك المصري في هذا الملف يتجاوز إدارة التداعيات الإنسانية والأمنية المباشرة، إلى الدفاع عن مفهوم أوسع للاستقرار الإقليمي، يقوم على أن تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية لن ينتج سلاماً مستداماً، وأن ترتيبات الأمن لا يمكن أن تنجح إذا قامت على حساب الجغرافيا أو الحقوق المشروعة للشعوب.
ثالثا : السودان وليبيا والعمق الاستراتيجي المصري:
إذا كانت فلسطين تمثل إحدى دوائر الارتباط المباشر بالأمن القومي المصري، فإن السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لا يقل أهمية ، فاستمرار الحرب السودانية يهدد وحدة الدولة ومؤسساتها، ويخلق بيئة مواتية لتنامي التدخلات الخارجية والاقتصاد غير المشروع والجماعات المسلحة، فضلاً عن التداعيات الإنسانية والأمنية التي تمتد إلى دول الجوار.
ومن المنظور المصري، فإن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية ليس مجرد موقف دبلوماسي، وإنما ضرورة استراتيجية ترتبط بأمن الحدود الجنوبية، واستقرار حوض النيل، وحماية التوازنات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر ، ولذلك تبرز أهمية دعم المسارات السياسية التي تفضي إلى وقف الحرب، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتهيئة الظروف لعملية سياسية سودانية جامعة.
أما ليبيا، فتمثل بدورها امتداداً مهماً للأمن القومي المصري في الاتجاه الغربي ، ولا تقتصر خطورة استمرار الانقسام الليبي على تداعياته الأمنية والحدودية، بل تشمل احتمالات تحول البلاد إلى ساحة للتنافس الدولي والإقليمي، بما يهدد فرص استعادة الدولة الليبية لمؤسساتها الموحدة ، ومن هنا تظل الأولوية المصرية مرتبطة بدعم وحدة ليبيا وسيادتها، ورفض التدخلات التي تعمق الانقسام، وتشجيع الحل السياسي الذي يستند إلى إرادة الليبيين ومؤسساتهم الوطنية.
رابعا : البحر الأحمر وشرق المتوسط: الجغرافيا بوصفها مصدراً للقوة والتحدي:
تتزايد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وباب المندب في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وتهديدات للملاحة الدولية ، فهذه الممرات ليست مجرد طرق تجارية، بل تمثل شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي، وترتبط بصورة مباشرة بأمن قناة السويس ومصالح مصر الاقتصادية والاستراتيجية .
وقد كشفت التوترات البحرية عن مدى الترابط بين الأمن الإقليمي والتجارة الدولية، وأظهرت أن أي اضطراب في البحر الأحمر يمكن أن يفرض تكاليف اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود المنطقة ، ومن ثم، فإن حماية حرية الملاحة وتأمين الممرات البحرية تقتضي مقاربة شاملة تجمع بين التعاون الإقليمي، والتنسيق الدولي، ومعالجة جذور التوترات السياسية التي تغذي حالة عدم الاستقرار .
وفي الاتجاه ذاته، تبرز منطقة شرق المتوسط باعتبارها ساحة مهمة للتنافس والتعاون في آن واحد، بالنظر إلى ما تمتلكه من موارد للطاقة، وما تشهده من تداخل للمصالح الاقتصادية والاستراتيجية ، وتمتلك مصر في هذا المجال مقومات مهمة، تشمل موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية في قطاع الطاقة، وقدرتها على بناء شراكات إقليمية، بما يعزز مكانتها بوصفها مركزاً محورياً في معادلات الطاقة والتعاون الاقتصادي بالمنطقة.
خامسا : مصر وضرورة استعادة مفهوم العمل العربي المشترك :
إن تعدد بؤر التوتر يكشف أن التحدي الأساسي الذي يواجه النظام الإقليمي العربي لا يتمثل فقط في حجم الأزمات، بل في غياب آليات فاعلة ومستدامة للتعامل الجماعي معها. فالتحديات الراهنة أكبر من قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة، مهما امتلكت من إمكانات، الأمر الذي يجعل تطوير العمل العربي المشترك ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار سياسي.
وهنا تتجلى أهمية الدور المصري في قدرته على الجمع بين التحرك الدبلوماسي متعدد الأطراف، والحفاظ على قنوات التواصل مع القوى الدولية والإقليمية، والدفاع عن مفهوم الدولة الوطنية ومؤسساتها باعتبارها الركيزة الأساسية للاستقرار. فمصر تمتلك خبرة في " إدارة التوازنات " ، وتدرك أن مواجهة التحديات لا تعني الانخراط في صراعات مفتوحة، وإنما بناء" تفاهمات " تقلل احتمالات التصعيد وتحافظ على المصالح العربية.
كما أن الثقل المصري لا يستمد أهميته من الاعتبارات العسكرية وحدها، بل من تكامل عناصر القوة السياسية والاقتصادية والجغرافية والدبلوماسية، ومن القدرة على تحويل هذه العناصر إلى تأثير عملي في الملفات الإقليمية عبر قيادة ذات بصيرة ومؤسسات متماسكة ذات خبرة ، وهذا ما يجعل الدور المصري مطلوباً بصورة متزايدة في اللحظات التي تتراجع فيها فاعلية الأطر التقليدية وتصبح الحاجة ملحة إلى أطراف قادرة على تقريب وجهات النظر وإنتاج تسويات قابلة للاستمرار.
سادسا : من إدارة الأزمات إلى صياغة المستقبل :
ومع ذلك، فإن أهمية الدور المصري لا ينبغي أن تقاس فقط بمدى قدرته على احتواء الأزمات الراهنة، وإنما أيضاً بقدرته على المشاركة في صياغة " ترتيبات إقليمية " أكثر استقراراً، فالتحولات الجارية تفرض على القاهرة توسيع أدوات تحركها، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وتطوير الشراكات العربية والأفريقية، والاستثمار في أمن الطاقة والغذاء والمياه، فضلاً عن دعم التكامل الاقتصادي العربي بوصفه أحد أهم مقومات الاستقلال الاستراتيجي.
كما تفرض المرحلة ضرورة الانتقال من الاستجابة للأحداث إلى امتلاك " رؤية استباقية " للتحولات، تقوم على قراءة مبكرة لمصادر التهديد، وتعزيز القدرات الوطنية، وبناء شبكات تعاون إقليمي قادرة على التعامل مع الأزمات قبل تحولها إلى صراعات ممتدة ، فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من أدوات، وإنما أيضاً بقدرتها على توظيفها في الوقت المناسب، وبناء بيئة إقليمية تسمح بحماية مصالحها ومصالح شركائها.
سابعا : مصر كمرتكز للاستقرار الإقليمي :
تزداد أهمية الدور المصري في فترات التحول الإقليمي لأن مصر تمثل نقطة التقاء بين الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاستراتيجية العربية، ولأن موقعها وإمكاناتها يجعلـانها جزءاً أساسياً من أي معادلة تستهدف إعادة بناء الاستقرار في المنطقة ، وفي وقت تتعرض فيه الدولة الوطنية العربية لضغوط متزايدة، وتتسع فيه دوائر التنافس الدولي والإقليمي، تبرز الحاجة إلى " دور مصري قيادي " يوازن بين حماية المصالح الوطنية والالتزامات العربية، وبين مقتضيات الأمن ومتطلبات التنمية، وبين إدارة الأزمات وبناء التسويات.
إن مصر لا تحتاج إلى أن تكون طرفاً في كل صراع حتى تؤكد مكانتها، بل تحتاج إلى أن تظل قادرة على التأثير في مسارات الصراعات، ومنع تحولها إلى تهديدات وجودية للدول العربية، وفتح آفاق للحلول السياسية والتعاون الإقليمي، فالأمن القومي العربي لا يمكن أن يستعيد تماسكه دون " دول محورية " تمتلك الرؤية والإرادة والقدرة على التحرك.
ومن هنا، فإن الدور المصري ليس مجرد امتداد لمكانة تاريخية، بل " ضرورة " تفرضها طبيعة المرحلة الجيوسياسية الراهنة ، وكلما ازدادت المنطقة اضطراباً وتعقيداً، ازدادت الحاجة إلى مصر بوصفها مرتكزاً للتوازن، وشريكاً في صناعة التسويات، وعنصراً أساسياً في أي تصور جاد لمستقبل الأمن والاستقرار العربيين.