تابعت، كما تابع غيري، حجم الشائعات وحملات التحريض على القوات المسلحة خلال المواجهة مع عصابات «الدهابة» التي توغلت داخل الأراضي المصرية وسعت إلى الاستيلاء على ثروات البلاد من الذهب، و كيف حاولت بعض الروايات المضللة صرف الانتباه عن حقيقة نشاطها غير المشروع، عبر التركيز على جوانب إنسانية خارج سياق الوقائع المعلنة، وغاب عن البعض أن القوات المسلحة تعاملت مع هذا الخطر على مدى أشهر، وأعلنت تباعًا عن جهودها وتطورات العملية عبر الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري، منذ يونيو الماضي.
تكشّفت تفاصيل اكبر واخطر عن الظاهرة خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده العقيد أركان حرب أحمد عتمان، المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة، إذ عرض شرحًا وافيًا لأبعاد التنقيب غير المشروع عن الذهب في الصحراء الشرقية، وما ينطوي عليه من اعتداء على الأمن الاقتصادي المصري، فقد تجاوز الأمر الحفر العشوائي، ليتحول إلى نشاط إجرامي مركّب تتداخل فيه حيازة الأسلحة والذخائر وتهريب الإمدادات، واستخدام مواد كيميائية سامة ألحقت أضرارًا بالبيئة والحياة البرية، فضلًا عن تهديد اهالى المنطقة و العاملين في الشركات المرخّصة والاستيلاء على المواد التموينية والبترولية المدعمه وهو ما اثر على حياة اهالى المنطقة .
وفي مواجهة ذلك، أطلقت القوات المسلحة عملية درع الجنوب، وهي حملة أمنية متعددة المراحل تستهدف هذه العصابات وتحدّ من أنشطتها، مع تأكيد الالتزام بالقانون الدولي والإنساني وحماية المدنيين .
وكشفت صور الاستطلاع التى عرضها المتحدث العسكرى إلى جانب شهادات الأهالي في المنطقة، عن حجم التحدي الأمني الذي تفرضه هذه الظاهرة ، وهو ما استحضر أوجه الشبه بينها وبين العملية الشاملة فى سيناء فى جوانب طول المدة للمحافظة على سلامة المدنيين، ومحاولة دفع هذه العناصر إلى مغادرة الأراضي المصرية قبل اللجوء إلى الاشتباك المسلح، وذلك من خلال إقامة نقاط أمنية تتيح لهم تسليم أنفسهم، والتعامل معهم بصورة إنسانية، والتنسيق لعودتهم إلى بلادهم بسلام.
ونحن على أعتاب المرحلة الرابعة من عملية «درع الجنوب»، قدم المتحدث العسكرى شرحا لمسار الحملة منذ انطلاقها في 14 يونيو وحتى 29 أكتوبر 2026، وتحدث عن هدفها بوضوح وهو بسط سيطرة الدولة على مناطق التنقيب غير المشروع داخل اراضيها وأظهرت الخرائط أن عمليات درع الجنوب تقع داخل الحدود المصرية وليس خارجها كما زعم البعض، فيما ركزت الحملة على نطاقات جغرافية محددة، ثم أعادت تمشيط بعضها للتأكد من عدم استئناف أعمال التنقيب غير القانوني مرة اخرى ، وتهيئة الأوضاع أمام الشركات المرخّصة لمزاولة أنشطتها وفقًا للكود العالمي لخام الذهب .
ويكشف اتساع المساحات المستهدفة عن طبيعة التحدي الجغرافي الذي تواجهه قوات إنفاذ القانون في مناطق صحراوية شاسعة، تتخللها طرق ومدقات ومواقع متباعدة لذلك، بحسب عرض المتحدث العسكري، حيث جمعت الحملة بين الاستطلاع الميداني، وتأمين الطرق المؤدية إلى مناطق التنقيب، وتحديد تجمعات العناصر المسلحة قبل التعامل معها .
وأودّ التوقف عند جانب بالغ الأهمية في تعامل القوات المسلحة المصرية مع مثل هذه التحديات، سواء خلال العملية الشاملة أو عملية درع الجنوب وهو الحرص على حماية الأرواح، وهى مبادىء تعكس تحلى قواتنا المسلحة بالشرف والتمسك بحقوق الانسان خلال معاركها ضد اى خصم وهو عمل نادر بالمقارنة بعمليات عسكرية تتم حول العالم دونما اعتبار لحياة الناس ، فامتلاك القدرة العسكرية على حسم المواجهة بسرعة لا يعني إغفال ما قد يترتب على ذلك من مخاطر على المدنيين أو البيئة والحياة البرية، وقد أُلغيت -بحسب تصريحات المتحدث العسكرى- في حالات عديدة، عمليات كان من الممكن أن تمتد آثارها إلى ما وراء العناصر الإجرامية المستهدفة.
وكيف ان القوات المسلحة اتخذت إجراءات تحذيرية شملت توجيه رسائل إلى الموجودين في مناطق التنقيب غير المشروع، تدعوهم إلى مغادرتها أو تسليم أنفسهم خلال مهلة محددة.
وعقب انتهاء المهلة، أُقيمت نقاط غلق أمنية على الطرق الرئيسية والمدقات المؤدية إلى مناطق التنقيب، لإتاحة فرصة إضافية أمام الموجودين لتسليم أنفسهم ،وبعد ذلك، نُفذت أعمال الاستطلاع لتحديد مواقع التجمعات المسلحة قبل التعامل معها.
ويعطي هذا التسلسل أهمية للتحذير المسبق وإتاحة فرصة لتجنب المواجهة، وكلها تأتى في سياق الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وأهمية التمييز بين العناصر المسلحة والمدنيين، والتحقق من طبيعة الهدف، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل المخاطر على غير المشاركين في القتال، وقد أكد المتحدث العسكري أن القوات لم تستهدف أي مدنيين، وأن التعامل مع الأهداف استند إلى معلومات وإحداثيات دقيقة ومؤكدة وهوما يرد بشكل مباشر على السردية المغلوطة التى انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعى واستند عليها البعض للاسف دون التحقق من صدقها .
وكشف المتحدث العسكري عن معلومات مهمة تُبرز خطورة الظاهرة، من بينها تنفيذ ضربات استباقية استهدفت قطع خطوط إمداد العناصر الإجرامية، ولا سيما ما كان يصل إليها من أسلحة وذخائر عبر الحدود، وجاء ذلك للحيلولة دون تعزيز قدراتها المسلحة، والحد من قدرتها على مواصلة التنقيب غير المشروع أو تهديد العاملين والقوات ، وتشير هذه المعطيات إلى أن القوات واجهت بؤرًا مسلحة شديدة الخطورة، تحصّنت في مناطق وعرة، وكانت مستعدة للاشتباك مع قوات إنفاذ القانون بالذخيرة الحية.
بل ووظّفت القوات المسلحة التكنولوجيا لتعزيز دقة الاستهداف والحد من المخاطر على المدنيين؛ إذ استخدمت طائرات مسيّرة مسلّحة لضرب مخازن للأسلحة والذخائر، استنادًا إلى معلومات وإحداثيات محددة، بما يتيح إصابة الأهداف مع تقليل الأضرار المحتملة على المحيطين بها خاصة بعدما كشفت صور الاستطلاع ان هذه المخازن تتوسط خيام تعيش فيها العناصر الاجرامية مع اسرها .
و حين نعلم أن أكثر من ستة آلاف شخص سلّموا أنفسهم، وأن من بين المضبوطين عناصر مصرية وأجنبية، تتضح لنا طبيعة النشاط وحجمه واننا امام عصابات منظمة تمارس جريمة عابرة للحدود، ومع اتساع المنطقة الحدودية ووعورة تضاريسها، ندرك حجم التحديات والمخاطر التي تواجهها القوات المسلحة في مسرح العمليات فضلا عن حجم الجهد المطلوب للتعامل مع أعداد كبيرة من الموجودين في مناطق التنقيب، وفرز الحالات، واستكمال الإجراءات القانونية لكل منها.
ومن اهم النقاط التى تستدعى الانتباه هو ان القوات المسلحة لا تعمل بمفردها وتشاركها وزارات اخرى فى عمل منسق حيث تشارك وزارة الداخلية في فرض السيطرة الأمنية وتضييق الخناق على العناصر الإجرامية، بينما تولت وزارة العدل متابعة سرعة إنهاء الإجراءات القانونية الخاصة بالأشخاص المتورطين. وشاركت وزارة البترول والثروة المعدنية في التمييز بين الشركات العاملة بصورة مشروعة، سواء كانت وطنية أو أجنبية أو من شركات التعدين الأهلي، وتحديد مناطق الامتياز القانونية.
ذلك العمل المنسق امتد لاهالى المنطقة حيث عقدت القوات المسلحة جلسات مع شيوخ وعواقل القبائل في المناطق التي تنشط فيها عناصر التنقيب، وقد ثمن المتحدث العسكرى دورهم في مساندة القوات المسلحة وقوات إنفاذ القانون وهو دور وطنى معروف عن قبائل مصر سواء فى سيناء او فى الصحراء الشرقية والغربية .
لا شكّ أن مصر تواجه تحديًا كبيرًا على حدودها الجنوبية، في ظل ظروف إقليمية بالغة الدقة والتعقيد، وهو ما يفرض علينا جميعًا التحلي بالوعي والمسؤولية، والتحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات والسرديات المضللة التي قد تستغلها العصابات الإجرامية للتشويش على جهود قوات إنفاذ القانون.
وفي مواجهة عصابات الدهابة، تواصل عملية «درع الجنوب» ملاحقة شبكات التنقيب غير المشروع والتصدي لما تمثله من تهديد للأمن والاقتصاد الوطني، وقد أتاحت القوات المسلحة معلومات عن الحملة عبر منصاتها الرسمية، ضمن سلسلة «درع الجنوب» التي تضم ست حلقات تناولت ظاهرة التنقيب غير المشروع ونشاط «الدهابة»، إلى جانب بيانات توضيحية عن مراحل الحملة وتطوراتها.
ولا ينبغي أن نغفل تضحيات شهداء القوات المسلحة خلال عملية «درع الجنوب». فقد أعلن المتحدث العسكري عن استشهاد العقيد أحمد سمير، رئيس أركان حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود العاملة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية، خلال مواجهات وتبادل لإطلاق النار مع العناصر المخالفة.
وتؤكد هذه التضحيات جسامة التحدي وخطورة العناصر المسلحة التي تواجهها القوات المسلحة ، كما تعكس إصرار الدولة على بسط سيادتها على حدودها وحماية ثروات المصريين.