ماذا لو لم يعد المصري يحلم بالغد؟.. حين يصبح الحفاظ على مستوى المعيشة إنجازًا وتتحول متطلبات الحياة إلى أحلام مؤجلة!
لم تعد الأزمة الاقتصادية التي تواجهها قطاعات من المجتمع المصري مجرد أزمة أسعار أو ارتفاع في تكلفة المعيشة، فهناك مشهد آخر يتشكل بهدوء داخل البيوت المصرية، لا يظهر بالكامل في المؤشرات الاقتصادية، ولا يمكن قياسه فقط بمعدلات التضخم أو أسعار الفائدة أو حجم الاستثمارات، لكنه ربما يكون أكثر أهمية من كثير من المؤشرات، وهو تراجع المساحة المتاحة أمام الإنسان للتخطيط للمستقبل، وتكوين المدخرات، وتحسين مستوى حياته، والشعور بأن جهده اليوم يمكن أن يمنحه حياة أفضل غدًا.
فالمواطن الذي كان يعمل من أجل الانتقال إلى مستوى معيشي أفضل، أصبح في قطاعات من المجتمع منشغلًا بالحفاظ على المستوى الذي وصل إليه، والذي كان يضع جزءًا من دخله جانبًا لمواجهة الطوارئ أو تحقيق حلم مؤجل، أصبح يجد نفسه في سباق مستمر مع ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع القوة الشرائية للنقود، بينما باتت احتياجات كانت تبدو طبيعية وبديهية، مثل امتلاك مسكن مناسب أو تكوين أسرة أو توفير تعليم جيد للأبناء أو الاحتفاظ بمدخرات، تحتاج إلى سنوات أطول من العمل والتضحيات.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بأن الأسعار ارتفعت، وإنما بأن المواطن أصبح يشعر أن المسافة بين ما يكسبه وما يحتاج إليه تتسع، وأن أي تحسن محدود في دخله قد تلتهمه زيادة جديدة في تكلفة السكن أو الغذاء أو المواصلات أو التعليم، حتى أصبح السؤال الذي يفرض نفسه داخل كثير من الأسر ليس كيف نعيش بصورة أفضل؟ وإنما كيف نحافظ على ما تبقى من قدرتنا على الحياة دون أن نتراجع خطوة أخرى؟
وهنا تبدأ القصة الحقيقية لهذا التحقيق؛ ماذا يحدث لمجتمع عندما يصبح الحفاظ على مستوى المعيشة معركة يومية، وعندما يتحول المستقبل من مساحة للأحلام والطموحات إلى مصدر دائم للقلق والحسابات؟
التضخم لا يقيس وحده حجم الأزمة التي تعيشها الأسرة
اقتصاديًا، هناك فارق جوهري بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض الأسعار، وهو فارق يجب أن يكون حاضرًا في أي نقاش جاد حول شعور المواطنين بالأوضاع الاقتصادية.
فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 12% خلال أكتوبر 2026، مقابل 12.8% في سبتمبر، بينما سجل التضخم الشهري 0.6%. وهذه أرقام تعكس تباطؤ وتيرة الزيادة في المستوى العام للأسعار، لكنها لا تعني عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، ولا تعني استرداد الأسر لما فقدته من قوة شرائية خلال سنوات التضخم المرتفع.
بمعنى أكثر وضوحًا، عندما يرتفع سعر سلعة بصورة كبيرة ثم تتباطأ وتيرة ارتفاعه، لا تعود السلعة إلى سعرها القديم لمجرد أن التضخم تراجع. ولذلك قد يرى المواطن تحسنًا في المؤشر العام، لكنه لا يشعر بالتحسن نفسه في ميزانية أسرته، لأنه لا يزال يدفع أسعارًا أعلى بكثير مما كان يدفعه قبل موجات الغلاء السابقة.
وتكشف تفاصيل التضخم في أكتوبر عن جانب مهم من المشكلة؛ إذ ارتفعت مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 24.1% على أساس سنوي، وزادت تكاليف النقل بنسبة 22.3%، والتعليم بنسبة 20%، بينما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 7.5%.
وهذه الأرقام تكشف أن الضغوط لا تأتي من بند واحد يمكن للأسرة الاستغناء عنه، وإنما من قطاعات ترتبط مباشرة بالاحتياجات الأساسية. فالأسرة قد تؤجل شراء جهاز كهربائي أو تغيير سيارة، لكنها لا تستطيع إلغاء احتياجات السكن أو الانتقال إلى العمل أو تعليم الأبناء أو الغذاء.
وهنا تظهر مشكلة أخرى تتعلق بطريقة قراءة التضخم؛ فالمؤشر العام يعبر عن متوسط حركة الأسعار، لكنه لا يعكس بالضرورة تجربة كل أسرة. فأسرة تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الإيجار والمواصلات والغذاء قد تشعر بضغط أكبر من المتوسط العام، بينما تختلف تجربة أسرة أخرى تمتلك مسكنًا ولا تتحمل تكلفة إيجارية شهرية.
وبالتالي، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط كم بلغ التضخم؟ وإنما كيف توزعت الزيادة في تكاليف الحياة على شرائح الدخل المختلفة؟ ومن يتحمل النصيب الأكبر من الفاتورة؟
عندما يصبح الادخار سباقًا خاسرًا مع الزمن
من أخطر التحولات التي تستحق الدراسة أن فكرة الادخار نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.
فالادخار في جوهره ليس مجرد الاحتفاظ بجزء من الدخل، وإنما هو وسيلة لبناء الأمان المالي والاستعداد للمستقبل. لكن عندما ترتفع الأسعار بوتيرة تتجاوز نمو الدخل، تصبح قدرة الأسرة على تكوين مدخرات حقيقية أكثر صعوبة، وقد تجد نفسها مضطرة إلى استهلاك ما كانت تدخره سابقًا لتغطية احتياجاتها الحالية.
وهنا تظهر مفارقة اقتصادية شديدة الأهمية؛ فالمواطن قد يكون أكثر حرصًا على الادخار من أي وقت مضى، لكنه أقل قدرة عليه، وقد يعمل ساعات إضافية أو يبحث عن مصدر دخل ثانٍ، ثم يكتشف أن الزيادة التي حققها ذهبت إلى تغطية ارتفاع جديد في تكلفة الحياة.
وهذا لا يعني أن الادخار فقد جدواه، لكنه يعني أن السياسات الاقتصادية لا ينبغي أن تنظر إلى المدخرات باعتبارها مجرد قرار فردي، بل باعتبارها انعكاسًا لقدرة الدخل على تغطية الاحتياجات وترك فائض حقيقي يمكن توجيهه إلى المستقبل.
فالاقتصاد الذي يريد توسيع قاعدة الاستثمار المحلي يحتاج إلى أسر تستطيع الادخار، وليس فقط إلى أفراد يحاولون النجاة من الالتزامات الشهرية.
الفقر ليس رقمًا فقط.. وماذا تقول المؤسسات الدولية؟
تزداد أهمية هذا الملف عندما ننتقل من الانطباعات اليومية إلى تقديرات المؤسسات الدولية.
فالبنك الدولي أشار في تقديراته إلى أن معدل الفقر الوطني في مصر بلغ 33.5% خلال العام المالي 2021/2022، كما أشار إلى ارتفاع الفقر بنحو خمس نقاط مئوية بين عامي 2022 و2024 وفق خط الفقر الدولي الخاص بشريحة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى، والمحدد عند 4.20 دولار يوميًا وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021.
ومن المهم التمييز هنا بين هذا المؤشر الدولي ومعدل الفقر الرسمي المحسوب وفق خط الفقر الوطني؛ فهما ليسا مقياسًا واحدًا، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما رقمًا واحدًا. لكن دلالة التقدير الدولي تظل مهمة، لأنها تشير إلى أن الضغوط التي تعرضت لها الأسر خلال تلك الفترة انعكست على مستويات الاستهلاك والقدرة المعيشية.
وفي المقابل، سجل الاقتصاد المصري نموًا حقيقيًا بلغ 5.1% خلال العام المالي 2025/2026 وفق تقديرات البنك الدولي، وهو ما يطرح سؤالًا اقتصاديًا بالغ الأهمية: كيف يمكن أن يسجل الاقتصاد نموًا، بينما تظل الضغوط المعيشية حاضرة بقوة لدى قطاعات من المواطنين؟
الإجابة أن النمو الاقتصادي لا ينتقل تلقائيًا وبالسرعة نفسها إلى جميع الأسر. فهناك فرق بين زيادة الناتج المحلي وبين تحسن الدخول الحقيقية، وبين ارتفاع حجم النشاط الاقتصادي وبين خلق فرص عمل مستقرة ومنتجة بأجور تسمح بتحسين مستوى المعيشة.
وقد ينمو الاقتصاد نتيجة توسع قطاعات بعينها أو تحسن النشاط الاستثماري، لكن الأثر الاجتماعي يظل محدودًا إذا لم تتسع قاعدة المستفيدين من هذا النمو، ولم يتحول إلى فرص عمل ذات إنتاجية أعلى ودخول حقيقية أفضل.
وهذه هي المسافة التي يجب أن نركز عليها: المسافة بين نمو الاقتصاد وشعور المواطن بأنه أصبح أكثر قدرة على الحياة.
الأسرة المصرية.. المؤسسة التي تتحمل فاتورة الاختلالات الاقتصادية
لا يمكن فهم الأزمة بمعزل عن الأسرة، لأنها الوحدة التي تتجمع داخلها جميع آثار التغيرات الاقتصادية.
فارتفاع تكلفة الغذاء لا يظهر في جدول الأسعار فقط، وإنما يفرض على رب الأسرة إعادة ترتيب مشترياته، وقد يدفعه إلى تقليل بعض الأصناف أو استبدال منتجات بأخرى أقل تكلفة. وارتفاع الإيجار لا يمثل مجرد زيادة في بند السكن، وإنما قد يؤثر على موقع المسكن ومدى قربه من العمل والمدرسة، وبالتالي يزيد من تكلفة الانتقال والوقت والجهد.
أما التعليم، فقد أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر قرارًا ماليًا ممتدًا، لا يتوقف عند المصروفات الدراسية، وإنما يشمل الانتقالات والملابس والأدوات والأنشطة والدروس والخدمات المرتبطة بالعملية التعليمية.
والعلاج بدوره لا يمكن تأجيله دائمًا، ولذلك فإن أي زيادة في تكلفته قد تفرض على الأسرة إعادة توزيع مواردها على حساب احتياجات أخرى.
المشكلة أن الأسرة لا تمتلك دائمًا مرونة كافية للتعامل مع هذه الضغوط، خصوصًا عندما يكون دخلها ثابتًا أو محدودًا، وعندما لا تمتلك أصولًا أو مدخرات تستطيع الاعتماد عليها في حالات الطوارئ.
ومن منظور علم الاجتماع الاقتصادي، فإن الضغوط المالية المستمرة لا تؤثر فقط على مستوى الاستهلاك، بل قد تمتد إلى العلاقات داخل الأسرة، وطريقة اتخاذ القرارات، ومستوى التوتر اليومي، وقدرة الأفراد على التخطيط طويل الأجل.
ولا يعني ذلك أن كل أسرة تمر بالضرورة بهذه النتائج، لكنه يفرض ضرورة دراسة العلاقة بين الضغوط الاقتصادية والاستقرار الأسري، بدلًا من التعامل مع الغلاء باعتباره مسألة أسعار منفصلة عن بقية جوانب الحياة.
الشباب والزواج والسكن.. هل أصبح تأسيس الحياة مشروعًا مؤجلًا؟
من أكثر الملفات حساسية ملف الشباب، لأن القدرة على تكوين أسرة مستقرة ترتبط بمجموعة من الشروط الاقتصادية التي يصعب فصلها عن بعضها؛ فرصة عمل مناسبة، ودخل يمكن توقعه، ومسكن متاح، وقدرة على تحمل تكاليف الزواج والحياة اليومية.
وعندما تتسع الفجوة بين الدخول وأسعار السكن، لا يكون التأثير مقتصرًا على سوق العقارات، وإنما يمتد إلى توقيت الزواج والاستقلال عن الأسرة وتكوين أسر جديدة.
فالشاب الذي لا يستطيع تحمل تكلفة السكن قد يؤجل الزواج، والذي يمتلك وظيفة لكنه لا يثق في استقرار دخله قد يتردد في اتخاذ قرار طويل الأجل، والذي ينجح في توفير مقدم وحدة سكنية قد يجد نفسه أمام التزامات شهرية تستهلك نسبة كبيرة من دخله.
وهنا يجب أن نعيد النظر في مفهوم القدرة على تملك المسكن؛ فالمسألة ليست فقط عدد الوحدات التي يتم بناؤها، وإنما مدى توافق أسعارها وأنظمة سدادها مع الدخول الفعلية للفئات المستهدفة.
كما أن توفير وحدات سكنية لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار، ما لم تتوافر معها فرص العمل والمواصلات والخدمات والتعليم والصحة، حتى لا يتحول الانتقال إلى مسكن جديد إلى انتقال نحو تكلفة معيشية جديدة.
والأهم أن يكون هناك تنوع حقيقي في منتجات الإسكان، بما يشمل الإيجار المنظم طويل الأجل، والإيجار المنتهي بالتملك، والتمويل العقاري المناسب، والوحدات المتاحة لمتوسطي ومحدودي الدخل، وليس فقط التوسع في المنتجات العقارية الأعلى سعرًا.
فالسكن ليس مجرد أصل استثماري، بل هو أحد الشروط الأساسية للاستقرار الاجتماعي وتكوين الأسرة.
أزمة الأمل.. عندما يتغير تعريف النجاح من التقدم إلى عدم التراجع
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر عمقًا في التحقيق كله.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى دخل يكفي احتياجاته، وإنما يحتاج أيضًا إلى إحساس بأن المستقبل يحمل احتمالات أفضل. وهذا الإحساس هو الذي يدفعه إلى العمل والتعلم والاستثمار في نفسه وتكوين الأسرة وتحمل الصعوبات الحالية من أجل نتائج مستقبلية.
وفي علم الاجتماع، يرتبط هذا المعنى بما يمكن وصفه بالتوقعات الاجتماعية والاقتصادية؛ أي الصورة التي يرسمها الفرد لمستقبله، ومدى ثقته في قدرته على الوصول إليها.
وعندما تصبح الأهداف الأساسية بعيدة بصورة مستمرة، قد تتغير طبيعة الطموح نفسه. فبدلًا من أن يفكر الشاب في تأسيس مشروع أو شراء مسكن أو تطوير مهاراته، قد يصبح أكثر انشغالًا بتجنب الخسارة والمحافظة على دخله الحالي.
وهنا يظهر خطر لا يقل أهمية عن التراجع في القوة الشرائية، وهو تراجع الحافز على المبادرة والمخاطرة الإيجابية والاستثمار في المستقبل.
فالمجتمع الذي يشعر أفراده بأن الجهد لا يؤدي بالضرورة إلى تحسن ملموس قد يواجه صعوبة في تحويل طاقات شبابه إلى إنتاج وابتكار وريادة أعمال.
ولا يجوز أن نستنتج من ذلك أن المجتمع المصري فقد الأمل أو دخل مرحلة من التشاؤم الشامل، فهذه أحكام تحتاج إلى دراسات ميدانية واستطلاعات موثوقة. لكن من الضروري أن نراقب مؤشرات الثقة في المستقبل، والقدرة على الادخار، وتأجيل الزواج، وتغير أنماط الاستهلاك، وتراجع الإقبال على المشروعات الصغيرة، باعتبارها إشارات قد تساعد في فهم التحولات التي تحدث داخل المجتمع.
فالأمل ليس مفهومًا معنويًا منفصلًا عن الاقتصاد؛ إنه جزء من البيئة التي تسمح للإنسان بأن يعمل وينتج ويخطط ويستثمر في حياته.
التنمية بين خريطة المشروعات وميزانية الأسرة
خلال السنوات الماضية، نفذت الدولة المصرية مشروعات ضخمة في البنية الأساسية والطرق والنقل والطاقة والمدن الجديدة، وأعادت تشكيل أجزاء واسعة من الخريطة العمرانية والاستثمارية للبلاد.
ولا يمكن إنكار أهمية هذه الاستثمارات في بناء أصول اقتصادية وعمرانية، أو تجاهل التحديات التي واجهتها الدولة خلال تلك الفترة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي أو الاقتصادي.
لكن المرحلة الحالية تفرض سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف ننتقل من قياس ما تم إنجازه على مستوى المشروعات إلى قياس أثره المباشر على حياة المواطنين؟
فالطريق الجديد لا تكتمل قيمته بمجرد إنشائه، وإنما عندما يخفض زمن الانتقال وتكلفة نقل البضائع ويفتح مناطق جديدة للعمل والإنتاج.
والمدينة الجديدة لا تحقق كامل عائدها بمجرد بناء الوحدات، وإنما عندما تتحول إلى مجتمع اقتصادي متكامل يوفر فرص العمل والخدمات والسكن لمختلف مستويات الدخل.
ومشروعات الطاقة والبنية الأساسية لا تكتمل نتائجها إلا عندما تنعكس على تنافسية الصناعة وتكلفة الإنتاج وقدرة الشركات على التوسع وخلق فرص عمل مستقرة.
وبالتالي، فإن معيار النجاح في المرحلة المقبلة يجب ألا يقتصر على حجم الإنفاق الاستثماري أو عدد المشروعات المنفذة، بل يمتد إلى قياس العائد الاجتماعي والاقتصادي الذي يصل إلى المواطن.
كم فرصة عمل منتجة تم خلقها؟ كم انخفضت تكلفة الانتقال؟ كم ارتفعت الدخول الحقيقية؟ كم أسرة أصبحت قادرة على الادخار؟ وما حجم التحسن الذي طرأ على جودة الخدمات وتكلفتها؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة ما تحقق، بل تساعد على استكماله وتحويله إلى مكاسب يشعر بها المواطن.
خطة ترشيد الإنفاق.. هل تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات؟
في الخامس من نوفمبر 2026، وافق مجلس الوزراء على مشروع قرار لترشيد الإنفاق العام خلال العام المالي 2026/2027، لمدة ثلاثة أشهر قابلة للمد، في ضوء الظروف الإقليمية وما تفرضه من ضغوط اقتصادية ومالية.
وتضمنت الإجراءات خفض استهلاك الكهرباء والإنارة بالمقار الحكومية بنسبة 20%، وخفض استهلاك الوقود المخصص للمركبات الحكومية بنسبة لا تقل عن 30%، إلى جانب تجميد ما لا يقل عن 20% من بعض اعتمادات شراء السلع والخدمات، وتأجيل المشروعات حديثة الإدراج وعدم البدء في مشروعات جديدة، مع إعطاء الأولوية للمشروعات التي اقتربت من الانتهاء، واستثناء عدد من القطاعات والخدمات الأساسية.
ومن حيث المبدأ، فإن ترشيد الإنفاق العام وإعادة ترتيب الأولويات يمثلان ضرورة في ظل ضغوط الموازنة وارتفاع تكلفة التمويل والطاقة، لكن نجاح هذه الإجراءات يجب ألا يقاس فقط بحجم النفقات التي تم تجميدها، وإنما بكفاءة استخدام الموارد والنتائج التي تحققت.
وهنا تظهر أهمية الشفافية في إعلان حجم الوفر المالي الناتج عن خطة الترشيد، وأوجه توجيهه، ومدى مساهمته في تخفيف الضغوط على الموازنة، وضمان استمرار الخدمات الأساسية دون تراجع.
كما يجب التمييز بين ترشيد الإنفاق غير الضروري وبين إضعاف الإنفاق الاستثماري المنتج؛ فهناك مشروعات يمكن تأجيلها دون تأثير جوهري، وهناك مشروعات أخرى يؤدي تأخيرها إلى تعطيل عوائد اقتصادية وفرص عمل كانت ستظهر خلال فترة قصيرة.
ولذلك فإن إعطاء الأولوية للمشروعات التي أوشكت على الانتهاء يمثل اتجاهًا مهمًا، لأنه يساعد على تحويل الأموال التي تم إنفاقها بالفعل إلى أصول عاملة ومنتجة بدلًا من ترك استثمارات غير مكتملة دون عائد.
لكن الأهم أن تكون عملية الترشيد جزءًا من مراجعة شاملة لكفاءة الإنفاق الحكومي، وليس مجرد استجابة مؤقتة للظروف.
ماذا يجب أن يتغير في أولويات السياسة الاقتصادية؟
إذا كان التحدي الحقيقي هو إعادة بناء الثقة في المستقبل، فإن الحل لا يمكن أن يقتصر على زيادة الأجور أو توسيع برامج الدعم، رغم أهمية هذه الأدوات، وإنما يحتاج إلى حزمة متكاملة تعالج العلاقة بين الدخل والأسعار والإنتاج والخدمات.
أول هذه الأولويات هو رفع الإنتاجية وخلق فرص عمل مستقرة؛ لأن تحسين دخول المواطنين بصورة مستدامة يحتاج إلى اقتصاد ينتج قيمة مضافة أكبر، ويوفر وظائف ذات أجور تتناسب مع المهارات والإنتاجية.
وثانيها حماية القوة الشرائية للدخول، من خلال متابعة تطور الأجور الحقيقية مقارنة بتكلفة الاحتياجات الأساسية، وتقييم أثر الزيادات الاسمية في الأجور على القدرة الفعلية للأسر على الاستهلاك والادخار.
وثالثها تخفيف تكلفة الخدمات الأساسية، خصوصًا السكن والتعليم والصحة والنقل، لأن هذه البنود تستحوذ على جزء مهم من ميزانية الأسرة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها اختيارات استهلاكية يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
ورابعها توسيع مظلة الحماية الاجتماعية بصورة أكثر دقة، بحيث تصل الموارد إلى الفئات الأكثر تعرضًا للضغوط، مع تطوير قواعد البيانات وآليات الاستهداف ومراجعة كفاية الدعم مقارنة بتغير تكلفة الحياة.
وخامسها دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الإنتاجية، باعتبارها أحد أهم المسارات لتوسيع قاعدة التشغيل والدخل، بدلًا من استمرار اعتماد قطاعات واسعة على وظائف منخفضة الإنتاجية أو أنشطة لا توفر استقرارًا ماليًا.
وسادسها تطوير مؤشرات جديدة لقياس جودة الحياة، لا تكتفي بمعدلات النمو والتضخم والبطالة، وإنما تتابع أيضًا قدرة الأسرة على الادخار، وتكلفة السكن، والإنفاق على التعليم والعلاج، ونسبة الدخل المتبقية بعد تغطية الاحتياجات الأساسية.
رسالة إلى الرئيس.. المواطن يريد أن يرى أثر التنمية في حياته
لا يمكن فصل هذا النقاش عن مسؤولية الدولة في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ولا عن حجم التحديات التي واجهتها مصر خلال السنوات الماضية.
فالدولة المصرية خاضت مراحل صعبة، واتخذت قرارات اقتصادية وسياسية في ظروف شديدة التعقيد، كما نفذت مشروعات تنموية وبنية أساسية واسعة، وسعت إلى بناء قاعدة جديدة للاقتصاد والعمران.
لكن المواطن الذي تحمل جانبًا من أعباء هذه المرحلة، ينتظر اليوم أن يرى عائدًا ملموسًا لما تحقق، وأن يشعر بأن السنوات الصعبة لم تكن مجرد سنوات من تحمل التكاليف، وإنما كانت طريقًا إلى حياة أكثر استقرارًا وقدرة على التخطيط.
وهذه ليست مطالبة بمعجزات اقتصادية، ولا تجاهلًا للتحديات الدولية والإقليمية، وإنما مطالبة بأن تصبح حياة المواطن اليومية معيارًا أساسيًا في ترتيب الأولويات.
فالمواطن يريد أن يعمل فيكفيه دخله، وأن يدخر فلا تلتهم الأسعار مدخراته، وأن يفكر في الزواج والسكن دون أن يشعر بأن تأسيس أسرة أصبح مشروعًا بعيد المنال، وأن يطمئن إلى أن أبناءه سيحصلون على تعليم وخدمات صحية جيدة دون أن تتحول هذه الاحتياجات إلى عبء يستنزف ميزانية الأسرة.
كما يريد أن يرى أن نجاح الدولة في جذب الاستثمارات وبناء المدن وتطوير البنية الأساسية يتحول إلى فرص عمل حقيقية ودخول أفضل وخدمات أكثر كفاءة وتكلفة أقل.
ومن هنا، ربما تحتاج المرحلة المقبلة إلى ما يمكن تسميته بعقد جديد للأثر المعيشي، تكون فيه الأولوية لقياس نصيب المواطن من عائد التنمية، من خلال مؤشرات واضحة ومعلنة تتعلق بالقوة الشرائية للأجور، وتكلفة الاحتياجات الأساسية، وفرص العمل المنتجة، وإتاحة السكن، وجودة الخدمات، وقدرة الأسر على تكوين المدخرات.
ويجب أن تكون هناك مراجعة دورية لهذه المؤشرات، حتى يستطيع المواطن أن يرى ما تحقق، وأن يعرف ما الذي لم يتحقق بعد، وما الجدول الزمني المستهدف لمعالجة الفجوات.
فالثقة لا تُبنى بالوعود وحدها، وإنما بنتائج قابلة للقياس يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
الخطر الذي لا يظهر في أرقام الموازنة
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات في فترات الضغوط الاقتصادية الممتدة ليس فقط تراجع مستويات الاستهلاك أو انخفاض القدرة الشرائية، وإنما أن يتحول القلق من المستقبل إلى سلوك دائم، وأن يصبح تأجيل الأحلام والتخلي عن الطموحات هو الخيار الأكثر أمانًا لدى قطاعات من الشباب والأسر.
فالاقتصاد لا يحتاج فقط إلى مواطن يستهلك، بل إلى مواطن يثق في المستقبل بما يكفي ليعمل وينتج ويتعلم ويدخر ويؤسس مشروعًا ويكوّن أسرة.
والدولة لا تحتاج فقط إلى مؤشرات نمو إيجابية، وإنما إلى مجتمع يشعر أفراده بأن هذا النمو يفتح أمامهم فرصًا حقيقية للحركة إلى الأمام.
قد تتراجع معدلات التضخم، وقد تتحسن المؤشرات المالية، وقد تتوسع الاستثمارات، وقد تنجح الدولة في احتواء صدمات خارجية جديدة، لكن كل هذه النتائج تحتاج إلى أن تترجم إلى تحسن حقيقي في ميزانية الأسرة المصرية حتى تكتمل قيمتها الاجتماعية.
فالتنمية ليست فقط ما تبنيه الدولة على الأرض، بل أيضًا ما تمنحه للإنسان من قدرة على الحياة والتقدم والأمل.
نحن لا نريد مجتمعًا يتخلى عن أحلامه حتى يستطيع التكيف مع الظروف الاقتصادية، وإنما نريد اقتصادًا يمنح الناس القدرة على التمسك بهذه الأحلام.
لأن المواطن لا يطلب أن يعيش بلا أزمات، لكنه يريد أن يشعر بأن العمل ما زال طريقًا إلى حياة أفضل، وأن الادخار ما زال وسيلة لبناء المستقبل، وأن الزواج والسكن والتعليم ليست امتيازات بعيدة عن متناول الأجيال الجديدة.
والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا أمام صانع القرار ليس فقط: كم حقق الاقتصاد من نمو؟ وإنما: ماذا أصبح المواطن قادرًا على تحقيقه نتيجة هذا النمو؟
فحين يصبح الحفاظ على مستوى المعيشة إنجازًا، وتتحول متطلبات الحياة الطبيعية إلى أحلام مؤجلة، تكون الأولوية الوطنية الأهم هي إعادة الإنسان إلى قلب معادلة التنمية، قبل أن يفقد ثقته في جدوى الطريق إلى المستقبل.