عاجل

في عالم التربية، لا تُقاس قيمة المؤسسات التعليمية بما تقدمه من مناهج أكاديمية فحسب، بل بقدرتها على صياغة وجدان الطلاب وغرس قيم التكافل والإنسانية في نفوسهم.

ومن هذا المنطلق، تحول "اليوم الوردي" (Pink Day) في مدرسة بورسعيد الدولية (قسم الانترناشونال) إلى ملحمة إنسانية استثنائية، تجسد أسمى معاني العطاء والتعاون والتضامن مع محاربات سرطان الثدي، وشراكة ممتدة الأثر مع مؤسسة بهية للاكتشاف المبكر وعلاج سرطان الثدي.

ترسيخ قيم العطاء.. صغارٌ يصنعون الأمل بأيديهم
لم يكن هذا اليوم مجرد احتفالية عابرة ترتدي فيها المدرسة ثوباً وردياً، بل كان درساً حياً في المسؤولية المجتمعية؛ حيث تحول الأطفال إلى سفراء للخير.
بكل حماس وبراءة، جسد الطلاب روح التعاون عبر المشاركة الفعالة؛ فمنهم من صنع بيده منتجات وأعمالاً فنية، ومنهم من جلب منتجات متبرع بها، لتباع جميعها في سوق خيري يذهب ريعه بالكامل لدعم مرضى السرطان.

هذه التجربة العملية لا تزرع في الطفل الشفقة، بل تزرع فيه الإيجابية وشعور الفخر بأنه، رغم صغر سنه، قادر على ترك بصمة وتخفيف آلام الآخرين.

إرث "ميس عزة" الغائب الحاضر.. جذور المبادرة
إن لكل شجرة طيبة أصلاً راسخاً، وجذور هذا اليوم تعود إلى الراحلة القدوة "ميس عزة" (مديرة القسم البريطاني السابقة)، رحمها الله.

كانت هي أول من أطلق هذه المبادرة الإنسانية في المدرسة، بدافع حب الخير ورغبةً في تنشئة جيل يشعر بآلام مجتمعه. غادرت ميس عزة دنيانا، لكن أثرها لم يغادر؛ فقد تركت خلفها بذوراً من التعاون والإنسانية لا تزال تنبت خيراً كل عام.

وفاء القيادة.. الدكتورة شيرين حمدي تحفظ الأمانة
لا يستمر النبل إلا بوجود الأوفياء؛ وهنا برز الدور المحوري والمسؤول للدكتورة شيرين حمدي، المدير العام لمدارس بورسعيد العريقة بالزمالك (التابعة للجمعية العامة للمعاهد القومية).

إذ أثبتت برعايتها لهذا اليوم أن القيادة تعني الحفاظ على الإرث الإنساني وتطويره، وليس مجرد إدارة منصب.

وتستحق كل الإشادة والتقدير لإصرارها وجهدها الدؤوب في الحفاظ على إقامة هذا اليوم في موعده السنوي دون تأخير، متخطيةً كل التحديات لتضمن ألا تنطفئ الشعلة التي أشعلتها الراحلة.

أمانة مستمرة.. ميس مروة وحيد وجميع العاملين
ويتجلى هذا الوفاء والعمل بحب وتفاني في أبهى صوره من خلال كل العاملين بالمبنى، من أبسط عامل حتى ميس مروة وحيد (مديرة القسم البريطاني الحالية)، التي حملت الأمانة بكل اقتدار.

إن موقف ميس مروة يمثل درساً بليغاً للطلاب في الامتنان والإخلاص للمديرة السابقة؛ فقد حرصت على تخليد هذه الذكرى لزميلة ومعلمة أجيال وهبت حياتها للطلبة والمعلمين، وحرصت على زرع قيم وأسس لأبنائها الطلبة في جميع المراحل، حتى أن من التحق منهم بالجامعة يعود للمشاركة في عمل الخير وفاءً لها.

المختبر الأخلاقي.. حين يتحول التعليم إلى رسالة حياة
إن المبادرات والعمل المجتمعي داخل المنظومة التعليمية لا يقتصر دورها على تقديم الدعم المادي للمؤسسات الخيرية، بل هي بمثابة "المختبر الأخلاقي" الذي يتشكل فيه وعي الأجيال.
عندما يخرج الطفل من إطار التلقين النظري ليشارك في عمل إنساني ملموس، فإنه يدرك مبكراً أن قيمته الحقيقية تكمن في ما يقدمه للآخرين.
هذه الأنشطة تكسر جدران الأنانية، وتبني جسوراً من التراحم والتكافل بين المدرسة والمجتمع، فتحول التعليم من وسيلة للحصول على شهادة، إلى رسالة حياة تصنع مواطناً صالحاً، شاعراً بوطنه، ومبادراً في تخفيف آلام المحيطين به.
إن الجدران التي لا تُبنى فيها قيم الرحمة هي جدران باردة، وإن المناهج التي لا تُعلم الطفل كيف يمد يده لأخيه الإنسان هي مناهج ناقصة.

لقد أثبتت مدرسة بورسعيد الدولية أن العطاء هو الإرث الوحيد الذي لا يموت، وأن أثر "ميس عزة" سيبقى حياً ما دامت قلوب هؤلاء الأطفال تنبض بالخير.
دعونا نجعل من كل مدرسة في وطننا منارة للأمل، ومن كل طفل يداً تبني وتشفي؛ فالمستقبل لا يصنعه المتفوقون علمياً فحسب، بل يصنعه الرحماء الأوفياء الذين يتركون الأرض من خلفهم أكثر خضرة وأقل ألماً.

دعوة لتعميم التجربة
إن ما قدمته مدرسة بورسعيد الدولية في "اليوم الوردي" ليس مجرد نشاط مدرسي، بل هو نموذج تربوي يحتذى به في بناء الإنسان.
ومن هنا، نطلق دعوة صادقة إلى كافة المدارس والمؤسسات التعليمية في مصر والوطن العربي لتعميم هذه التجربة الملهمة؛ لكي تتحول مدارسنا من قاعات للتلقين إلى منابر لغرس التراحم، ونقاط انطلاق لدعم المؤسسات الوطنية العظيمة كمؤسسة بهية.

فبالأطفال الأوفياء والرحماء، تُبنى الأوطان وتُشفى القلوب.

تم نسخ الرابط