فاتورة الطاقة تقترب من 36 مليار دولار.. كيف تخفض مصر تكلفة الاستيراد؟
أكد الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، أن تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين لا يمكن تحقيقه بصورة مباشرة من خلال زيادة الإنفاق الحكومي في الوقت الحالي، في ظل محدودية الحيز المالي المتاح للموازنة العامة، مشيرًا إلى أن تحسين مستوى المعيشة يتطلب العمل على مسارين متوازيين، أولهما إصلاح استراتيجية الطاقة لخفض الأعباء المالية والدولارية التي تتحملها الدولة، والثاني وضع استراتيجية اقتصادية تستهدف جذب الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه إلى التصدير.
وأوضح أنيس أن الحكومة تحتاج إلى التركيز على ملفات اقتصادية من شأنها تحسين الأوضاع المالية للموازنة العامة، بما يتيح توفير حيز مالي إضافي يمكن توجيهه إلى زيادة الإنفاق المباشر على المواطنين، إلى جانب تنفيذ إصلاحات يكون تأثيرها غير مباشر على مستويات المعيشة، من خلال زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمارات وتوفير فرص العمل.
وأضاف أن محدودية الموارد المتاحة للموازنة تفرض ضرورة إعطاء الأولوية للإصلاحات القادرة على تخفيف الضغوط المالية عن الدولة وتوفير مصادر مستدامة للنمو، بدلًا من الاعتماد على زيادة الإنفاق الحكومي المباشر دون توافر موارد كافية لتمويله.
استراتيجية الطاقة أولوية خلال السنوات الثلاث المقبلة
وقال الخبير الاقتصادي إن إصلاح استراتيجية الطاقة يجب أن يتصدر أولويات الحكومة خلال السنوات الثلاث المقبلة، نظرًا إلى الضغوط الكبيرة التي تفرضها واردات الطاقة على الموارد المالية والدولارية للدولة.
وتوقع أن ترتفع فاتورة استيراد الطاقة خلال عام 2026 إلى نحو 35 أو 36 مليار دولار، بما يعادل أكثر من 3 مليارات دولار شهريًا، موضحًا أن هذه المستويات تمثل عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة والموارد الدولارية، خاصة أن حصيلة الصادرات السلعية المصرية تقل عن 50 مليار دولار.
وأشار إلى أن إنفاق ما يقرب من 36 مليار دولار سنويًا على استيراد الطاقة يفرض ضغوطًا على قدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته من النقد الأجنبي، لافتًا إلى أن فاتورة الاستيراد ارتفعت من نحو 10 مليارات دولار قبل خمس سنوات إلى ما يتراوح بين 35 و36 مليار دولار حاليًا.
وأوضح أن هذا التغير يستدعي إعادة النظر في مزيج الطاقة المستخدم محليًا، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بالتوازي مع تعزيز الإنتاج المحلي من النفط والغاز.
وحدد أنيس ثلاثة محاور رئيسية لمعالجة أزمة فاتورة الطاقة خلال السنوات الثلاث المقبلة، يتمثل أولها في ضبط مزيج الطاقة من خلال تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة النفط والغاز، في توليد الكهرباء، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ولفت إلى أن زيادة مساهمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في إنتاج الكهرباء من شأنها تقليل الاحتياج إلى الوقود التقليدي، وخفض فاتورة استيراد الطاقة، بما يخفف الضغط على الموارد الدولارية للدولة ويوفر موارد يمكن توجيهها إلى أولويات اقتصادية أخرى.
زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز، بما يقلل الاعتماد على الواردات الخارجية ويحد من الضغوط على ميزان المدفوعات والموارد الدولارية.
وأوضح أن سداد مستحقات المستثمرين الأجانب العاملين في قطاع البترول يمثل خطوة أولى في هذا الاتجاه، إذ يساعد على تهيئة الظروف لزيادة استثماراتهم في أنشطة البحث والاستكشاف والإنتاج، بما يدعم خطط رفع الإنتاج المحلي خلال الفترة المقبلة.
وشدد على أن زيادة الإنتاج المحلي من الطاقة ترتبط بتحسين بيئة الاستثمار في القطاع، وضمان قدرة الشركات العاملة فيه على تنفيذ خططها الاستثمارية، بما يسهم في زيادة المعروض المحلي وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
وأشار إلى أن ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة لا يقتصر تأثيره على الموازنة العامة، بل يمتد إلى توافر العملة الأجنبية التي يحتاجها الاقتصاد لاستيراد مستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة والآلات والمعدات، ما يجعل زيادة الإنتاج المحلي أحد المسارات المهمة لتخفيف الضغوط الخارجية.
تطوير شبكات نقل الكهرباء وخفض الفاقد
وأوضح أن المحور الثالث يتمثل في ضخ استثمارات لتطوير شبكات نقل الطاقة والكهرباء، مشيرًا إلى أن معدلات الفاقد في الشبكات تتراوح بين 10% و15%، بينما ينبغي العمل على خفضها إلى مستويات تتراوح بين 2% و3%.
وقال إن ارتفاع الفاقد يؤدي إلى زيادة تكلفة توفير الكهرباء والطاقة، ويعني الحاجة إلى إنتاج كميات إضافية لتعويض جزء من الطاقة التي لا تصل إلى المستهلك النهائي، وهو ما يرفع الأعباء الاقتصادية ويقلل كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
وأكد أن تطوير شبكات النقل والتوزيع يمكن أن يحقق تحسنًا ملموسًا في كفاءة منظومة الطاقة، مقدرًا حجم الاستثمارات المطلوبة لهذا الغرض بما يتراوح بين ملياري دولار و3 مليارات دولار على مدار ثلاث سنوات.
وأشار إلى إمكانية تخصيص نحو 50 مليار جنيه سنويًا، أو ما يصل إلى 100 مليار جنيه سنويًا كحد أقصى، لتطوير الشبكات خلال تلك الفترة، معتبرًا أن ضخ هذه الاستثمارات من شأنه إحداث نقلة في كفاءة نقل الكهرباء وخفض معدلات الفاقد.
ولفت أنيس إلى أن تكلفة تطوير الشبكات، رغم أهميتها، لا تمثل عبئًا يصعب التعامل معه مقارنة بحجم الالتزامات المالية الأخرى، موضحًا أن 100 مليار جنيه تعادل تقريبًا تكلفة خدمة الدين المرتبطة بسعر فائدة قدره 1%، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع هذه الاستثمارات باعتبارها وسيلة لتحسين كفاءة الإنفاق وتقليل الهدر على المدى الطويل.
الاستثمارات الخاصة لتمويل إصلاح استراتيجية الطاقة
وفيما يتعلق بمصادر تمويل إصلاح استراتيجية الطاقة، أكد أن زيادة الإنتاج المحلي من النفط والغاز والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة يجب أن يعتمدا بصورة أساسية على الاستثمارات الخاصة، نظرًا إلى احتياج هذين المسارين إلى رؤوس أموال قادرة على تنفيذ المشروعات وتوفير التمويل اللازم لها.
أما تمويل تطوير شبكات نقل الكهرباء، فيمكن أن يعتمد على خيارات مختلفة، من بينها إيرادات الدولة أو التوسع في الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما يسمح بدخول الاستثمارات الخاصة في تطوير الشبكات وتشغيلها وفق الأطر المنظمة لهذه الشراكات.
وأشار إلى أن اختيار آلية التمويل المناسبة ينبغي أن يرتبط بطبيعة المشروعات وتكلفتها وقدرة الدولة على توفير الموارد اللازمة، موضحًا أن الاستثمارات المطلوبة لتطوير الشبكات يمكن تنفيذها من خلال خطة موزعة على ثلاث سنوات، بدلًا من تحميل الموازنة العامة أعباء كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن الهدف من هذه الإصلاحات لا يقتصر على خفض فاتورة استيراد الطاقة، وإنما يمتد إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة وتخفيف الضغوط على الموازنة والعملة الأجنبية، بما يمنح الحكومة مساحة أكبر لتوجيه الإنفاق إلى الخدمات الأساسية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
استراتيجية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه للتصدير
وانتقل أنيس إلى المسار الثاني لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، مؤكدًا حاجة مصر إلى استراتيجية اقتصادية واضحة ومعلنة يكون عنوانها الأساسي جذب الاستثمار الأجنبي المباشر الموجه للتصدير.
وأوضح أن جوهر هذه الاستراتيجية يتمثل في توجيه السياسات الاقتصادية والاستثمارية نحو استقطاب استثمارات أجنبية مباشرة تستهدف إنتاج السلع والخدمات القابلة للتصدير، بدلًا من الاكتفاء بجذب استثمارات لا تسهم بالقدر الكافي في توفير موارد دولارية جديدة.
وأضاف أن نجاح هذا التوجه يمكن أن يساعد على معالجة الفجوة التمويلية الدولارية التي تواجه الاقتصاد، والتي قدرها بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار على الأقل، موضحًا أن التدفقات الناتجة عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة يمكن أن تسهم في توفير جانب من الاحتياجات التمويلية وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي.
وأشار إلى أن المشروعات الاستثمارية الجديدة تحتاج إلى فترة زمنية حتى تبدأ الإنتاج والتصدير، لكنه توقع ظهور آثارها على الصادرات خلال فترة تتراوح بين 18 شهرًا وثلاث سنوات، بحسب طبيعة الاستثمارات وسرعة تنفيذها ودخولها مرحلة التشغيل.
وأوضح أن زيادة الصادرات ستساعد على تعزيز الإيرادات الدولارية وتحسين قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الخارجية، إلى جانب الحد من الضغوط التي تدفع الدولة إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها التمويلية.
ولفت إلى أن أثر هذه الاستثمارات لا يقتصر على توفير العملة الأجنبية، بل يمتد إلى حياة المواطنين من خلال خلق فرص عمل جديدة وزيادة الدخول، مؤكدًا أن تحسين مستوى المعيشة لا يرتبط فقط بالمساعدات المباشرة أو زيادة الإنفاق الاجتماعي، وإنما يتطلب أيضًا توسيع النشاط الإنتاجي وخلق وظائف تتيح للأسر الحصول على دخول أكثر استدامة.
وشدد أنيس على ضرورة الربط بين جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الصادرات، بحيث تتجه السياسات الاقتصادية المختلفة نحو تحقيق هذين الهدفين، بما يعزز قدرة الاقتصاد على توفير التمويل اللازم للنمو دون الاعتماد المفرط على الاستدانة.