تعد المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" واحدة من أهم وأبرز المشروعات التنموية والإنسانية في تاريخ مصر الحديث، بل وفي العالم أجمع من حيث نطاق التأثير وحجم الاستثمارات الموجهة لتغيير وجه الحياة في الريف المصري. ومع انضمام قرى جديدة تباعا إلى قطار المبادرة، تتجدد الآمال وتتجسد الأحلام واقعا ملموسا لملايين المواطنين ممن طال انتظارهم للخدمات الأساسية ومقومات الحياة الكريمة. إن دخول هذه القرى تحت مظلة المشروع القومي لا يقتصر فقط على تقديم أعمال البنية الأساسية، بل يمتد ليشمل إعادة صياغة كاملة لمفهوم التنمية المستدامة، بحيث تصبح القرية المصرية وحدة منتجة وقادرة على تلبية احتياجات أبنائها، ورافدا حقيقيا من روافد الاقتصاد الوطني.انطلقت مبادرة "حياة كريمة" برؤية ثاقبة تدرك جيداً أن بناء الجمهورية الجديدة لا يمكن أن يتم بمعزل عن تنمية قرى الريف المصري التي تقطنها الغالبية العظمى من الشعب المصري. ولطالما عانت هذه القرى لعقود طويلة من تهميش تنموي ونقص حاد فى المرافق والخدمات، مما أدى إلى موجات من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى، وما تبعها من ضغوط عمرانية واجتماعية واقتصادية.
وتأتي استراتيجية إدراج قرى جديدة في المراحل المتتالية للمبادرة لتعكس التزام الدولة الراسخ بالعدالة الاجتماعية والمكانية، وضمان وصول ثمار التنمية إلى كافة النجوع والقرى الأكثر احتياجاً، دون تمييز أو استثناء. وتهدف المبادرة في جوهرها إلى ردم الفجوة التنموية بين الحضر والريف وتحسين جودة الحياة المعيشية للمواطنين عبر توفير حزمة متكاملة من الخدمات الأساسية.
وعندما يعلن عن دخول قرية جديدة ضمن نطاق "حياة كريمة"، تبدأ ملحمة عمل حقيقية تتضافر فيها جهود مؤسسات الدولة المختلفة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. وتتجسد ثمار هذا العمل فى عدة محاور رئيسية تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر.
تعد مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي هى حجر الأساس فى تطوير أى قرية جديدة تنضم للمبادرة. ففى الكثير من القرى، كان الحصول على مياه نظيفة استنزافاً للوقت والجهد، بينما غابت شبكات الصرف الصحي تماماً لتعاني البيئة وتتأثر الصحة العامة. ومع دخول المبادرة، يتم مد شبكات مياه حديثة، وإنشاء محطات معالجة، وربط القرى بشبكات صرف متكاملة. إلى جانب ذلك تشمل الأعمال تحديث شبكات الكهرباء، وإدخال خدمات الغاز الطبيعي، وتطوير شبكات الاتصالات وتوصيل الإنترنت فائق السرعة، مما يربط الريف بالعالم الرقمي الحديث.
ولا تنفصل التنمية عن الاستثمار فى رأس المال البشري، ولذلك تحظى قطاعات الصحة والتعليم باهتمام بالغ فى القرى الجديدة.
ففي قطاع التعليم يتم إنشاء مدارس جديدة لتقليل كثافة الفصول، وصيانة المدارس القائمة، فضلاً عن التوسع فى رياض الأطفال، مما يتيح فرص تعليمية متكافئة لأبناء الريف.
وفي قطاع الصحة تشهد القرى إحلال وتجديد الوحدات الصحية وتحويلها إلى "مراكز طب الأسرة" طبقاً لمنظومة التأمين الصحي الشامل، مع توفير سيارات الإسعاف والفرق الطبية المؤهلة لتقديم الرعاية على مدار الساعة.
وتعمل المبادرة على تغيير الملامح الجمالية والحضارية للقرى من خلال رصف الطرق الرئيسية والفرعية، وإنشاء مجمعات الخدمات الحكومية التي تنهى معاناة المواطنين فى التنقل للحصول على المستندات الرسمية والخدمات التموينية والشهر العقاري ومكاتب البريد، مجمعة تحت سقف واحد بتقنيات حديثة. كما يتم إنشاء مجمعات خدمات لتوفير الأسمدة والإرشاد الزراعي للمزارعين.
ولا تقف "حياة كريمة" عند حدود البنية التحتية والإنشاءات الهندسية، بل تولي اهتماماً كبيراً بالجانب الاقتصادي والتشغيل، إيماناً بأن القضاء على الفقر يبدأ بتوفير فرص عمل مستدامة. كما يتم دعم صغار المزارعين والمربين من خلال تقديم قروض ميسرة، وتوفير رؤوس ماشية ذات إنتاجية عالية، وإنشاء مراكز تجميع الألبان المطورة. كما يتم دعم الحرف اليدوية والتراثية التي تتميز بها القرى المصرية، وتوفير منافذ تسويق ومعارض لمنتجات الأسر المنتجة، مما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية للشباب والنساء وأرباب الحرف.
التدريب. وكذلك إطلاق برامج تدريبية متخصصة لتأهيل شباب القرى الجديدة لسوق العمل وفقا لمتطلبات العصر الحديث والثورة الصناعية والتقنية.
إن دخول قرية جديدة فى "حياة كريمة" يترك أثراً نفسياً عميقاً فى وجدان أهلها. إنه إحساس بالتقدير والاهتمام من جانب الدولة، وشعور حقيقي بالمواطنة المتساوية. لقد تحولت القرى المصرية من بيئات طاردة تعاني التهميش إلى مجتمعات جاذبة تنبض بالحياة والأمل. وقد انعكس ذلك بوضوح على معدلات الرضا العام، وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي، ومشاركة الأهالي بأنفسهم فى متابعة المشروعات وحمايتها باعتبارها مكتسبات وطنية تخصهم فى المقام الأول. كما ساهمت المبادرة فى تعزيز قيم التكافل الاجتماعي والتطوع، من خلال دور مؤسسة "حياة كريمة" ومتطوعيها فى تقديم الدعم المباشر، وتنظيم القوافل الطبية والغذائية والترفيهية للأسر الأكثر احتياجاً.
وبطبيعة الحال تواجه مسيرة التنمية الشاملة فى القرى الجديدة بعض التحديات، مثل اتساع رقعة الريف المصرى، وتباين الظروف الجغرافية والتضاريسية من محافظة لأخرى، فضلاً عن التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة وتأثيراتها على سلاسل الإمداد وتكلفة مواد البناء. ومع ذلك فإن الإرادة السياسية القوية، والمتابعة المستمرة من القيادة السياسية والحكومة، والجهود المضنية لأجهزة الدولة المختلفة، تمكنت من تذليل العقبات وتحقيق إنجازات غير مسبوقة على أرض الواقع.
وتتطلع الدولة فى مراحلها القادمة إلى استكمال الحلقات التنموية لكافة القرى المصرية المدرجة، مع التركيز على استدامة تلك المشروعات، وصيانتها الدورية، وتعظيم الاستفادة منها عبر إشراك المجتمعات المحلية فى إدارتها.
إن إدراج قرى جديدة تباعاً فى مبادرة "حياة كريمة" يمثل ملحمة وطنية حية تؤكد أن مصر تتحرك بخطى ثابتة نحو مستقبل أفضل لأبنائها فى كل ربوع الوطن. إنه ليس مجرد مشروع لمد الأنابيب ورصف الطرق، بل هو مشروع لإعادة بناء الإنسان المصري، وتحرير طاقاته، ومنحه حقه الأصيل فى العيش بكرامة وعزة. ومع كل قرية جديدة تنضم لهذه الملحمة، يخطو الوطن خطوة واسعة وثابتة نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية "مصر 2030"، ليبقى الريف المصري كما كان دائماً قلب الوطن النابض وسنده القوي.