ألمانيا تواجه ضغوطًا جديدة في سوق الطاقة.. أسعار الغاز تقترب من مستويات أزمة 2022
تواجه ألمانيا ضغوطًا متزايدة في سوق الطاقة مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي إلى مستويات تقارب ذروة أزمة الطاقة التي شهدتها البلاد في ديسمبر 2022، بالتزامن مع تراجع مخزونات الغاز إلى مستويات موسمية غير مسبوقة منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2009، وفقًا للأرقام الواردة، بما يعيد ملف أمن الطاقة وتكلفة الإمدادات إلى صدارة التحديات الاقتصادية التي تواجه أكبر اقتصاد في أوروبا.
وسجلت أسعار الغاز بالجملة ارتفاعًا لتصل إلى نحو 100 يورو لكل ميجاوات/ساعة خلال الأسبوع، في تطور يعكس تصاعد الضغوط على سوق الطاقة الأوروبية، خاصة مع اقتراب موسم الشتاء وزيادة احتمالات ارتفاع الطلب على الغاز لأغراض التدفئة وتشغيل الأنشطة الصناعية وتوليد الكهرباء.
وفي المقابل، تراجعت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الألمانية إلى نحو 62%، وهو مستوى يقل عن الهدف الذي كان مقررًا بلوغه عند 70% بحلول الأول من نوفمبر، كما يمثل أدنى مستوى موسمي منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2009، بحسب المعلومات المتاحة. ويثير هذا التراجع تساؤلات بشأن قدرة السوق على التعامل مع موجات الطلب المرتفعة، خصوصًا إذا تزامنت البرودة الشديدة مع اضطرابات في الإمدادات أو ارتفاع أسعار الواردات.
ورغم تأكيدات وزير الاقتصاد الألماني عدم توقع حدوث نقص في الإمدادات، وإشارات الجهات التنظيمية إلى استقرار منظومة التوريد، فإن التحدي الاقتصادي لا يرتبط فقط بتوافر الغاز في السوق، بل يمتد إلى تكلفة الحصول عليه وتأثيرها على الشركات والأسر والمالية العامة.
فاستقرار الإمدادات لا يعني بالضرورة استقرار الأسعار، إذ قد تضطر الشركات والموردون إلى شراء كميات إضافية من الأسواق الدولية بأسعار مرتفعة لتعويض انخفاض المخزونات أو تلبية الطلب خلال فترات الذروة. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف التشغيل والإنتاج، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يضغط على هوامش أرباح الشركات وقدرتها التنافسية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الألماني، الذي يعتمد قطاع صناعي كبير منه على توافر الطاقة بأسعار تنافسية، إذ يمكن أن تؤدي الارتفاعات المستمرة في أسعار الغاز إلى زيادة تكاليف إنتاج الصناعات الكيماوية والمعادن والأسمدة وغيرها من الأنشطة الصناعية، مع احتمالات انتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار السلع النهائية.
كما قد تنعكس تكلفة الطاقة المرتفعة على معدلات التضخم، من خلال زيادة أعباء التدفئة والكهرباء وتكاليف النقل والإنتاج، وهو ما قد يحد من القوة الشرائية للأسر ويضع ضغوطًا إضافية على الشركات الصغيرة والمتوسطة، خصوصًا إذا استمرت الأسعار المرتفعة لفترة طويلة.
وتتوقف حدة المخاطر خلال الشتاء على مجموعة من العوامل، في مقدمتها درجات الحرارة، ومستويات الاستهلاك، وحجم تدفقات الغاز عبر مصادر التوريد المختلفة، وقدرة ألمانيا على تأمين واردات إضافية، فضلًا عن حركة الأسعار في الأسواق الأوروبية والعالمية. فكلما ارتفع الطلب بالتزامن مع محدودية المخزونات، زادت احتمالات اللجوء إلى مشتريات عاجلة بتكلفة أعلى.
وتعيد الأزمة المحتملة تسليط الضوء على التحدي الذي تواجهه أوروبا في تحقيق التوازن بين أمن الطاقة والاستقلال النسبي في الإمدادات من جهة، والحفاظ على تكلفة تنافسية للطاقة تدعم الصناعة والنمو الاقتصادي من جهة أخرى، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها أسواق الغاز الأوروبية منذ أزمة الطاقة عام 2022.
وتؤكد التطورات أن اختبار الطاقة الحقيقي أمام ألمانيا لا يقتصر على تجنب انقطاع الإمدادات، بل يمتد إلى ضمان توافرها بتكلفة يمكن للأسر والشركات تحملها. فاستمرار ارتفاع الأسعار بالتزامن مع انخفاض المخزونات قد يفرض ضغوطًا إضافية على الصناعة والتضخم والقدرة التنافسية للاقتصاد الألماني، بينما ستظل ظروف الشتاء وتطورات سوق الغاز العاملين الأكثر تأثيرًا في تحديد حجم المخاطر خلال الأشهر المقبلة.