عاجل

إن التاريخ لا يسير بخطى مستقيمة دائماً، بل يضع الأمم في مفترقات طرق حاسمة تختبر  الوعى الجمعى   وضمير النخب ، وقدرة الشعوب على الاحتمال والعبور. وحين ننظر اليوم إلى واقعنا الاقتصادي في مصر، وما تحمله الأرقام والأسئلة الملحة حول حصيلة الموارد الكبرى من تحويلات، وصادرات، وسياحة، وقناة السويس والتي بلغت نحو 144 مليار دولار في العام المالي الماضي كما تشير لغة الأرقام والتقارير عبر المنصات الاقتصادية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرق عقولنا بلا خوف أو مواربة هو: أين ذهبت هذه المليارات؟ وكيف تآكل أثرها أمام غول التضخم الضاري وضغط سعر الصرف؟ إن الإجابة لا تبحث عن اتهام أو تباكٍ على ما فات، بل تفتح الباب واسعاً أمام فريضة وطنية غائبة تتمثل في إعادة النظر الجذرية والشجاعة في فلسفة النفقات والسياسات الاقتصادية، حكومية كانت أو غير حكومية، بوصفها طوق النجاة الحقيقي للسيطرة على الأسعار وحماية العملة الوطنية.  
إن الحديث عن النفقات الحكومية والمالية لا يجب أن يظل حبيساً للنقاشات البيروقراطية أو التقارير الفنية الجافة، بل هو قضية أمن قومي وتماسك مجتمعي بامتياز. لقد شهدت السنوات الماضية طفرة هائلة في حجم الإنفاق على المشروعات الكبرى التي كانت ضرورية لبعث الحياة في جسد الاقتصاد، غير أن استمرار هذا الزخم بالوتيرة نفسها يتطلب اليوم وقفة تقييم واعية ومسؤولة ترتكز على حلول عمليَّة مبتكرة؛ مثل تأسيس منصة رقمية وطنية موحدة للمشتريات الحكومية وتوطين الصناعة؛ لربط المصانع المحلية بالاحتياجات الفعلية للدولة وتقليل الاستيراد، وتوجيه الدعم تدريجياً نحو آليات الكارت الموحد المدقق لضمان وصول الدعم لمستحقيه الفعليين وإعادة توجيه الوفورات لتمويل قطاعات الصحة والتعليم والصناعات المغذية. إن ترشيد الإنفاق العام لم يعد مجرد رفاهية مالية، بل هو ضرورة تفرضها المرحلة لتقليص عجز الموازنة، بالتزامن مع منح حوافز ضريبية وتيسيرات ائتمانية استثنائية لمدة للمشروعات التي تعتمد على خامات محلية بنسبة لا تقل عن ثمانين بالمائة وتستهدف التصدير الإقليمي والدولي.
ولكن المسؤولية لا تقع وحدها على عاتق الخزانة العامة، فهناك طرف آخر لا يقل أهمية ولا ينفصل عن معادلة الاستقرار يتمثل في الإنفاق غير الحكومي، سواء أكان إنفاقاً استهلاكياً للأفراد أو استثمارياً. إن ثقافة الاستهلاك في مجتمعنا تحتاج إلى غربلة حقيقية ونفض الغبار عن قيم الإدارة الرشيدة، فحجم الأموال التي تُهدر في استيراد السلع الاستفزازية يمثل نزيفاً حقيقياً في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل سنت من العملة الصعبة لتأمين الاحتياجات الاستراتيجية. وهنا تتكامل الجهود بابتكار آليات تسهم في كسر حلقة الغلاء؛ مثل تفعيل بورصة السلع المصغرة والأسواق التبادلية للحد من الوسطاء وتقليل حلقات التداول التي تلتهم نسبة ضخمة من سعر السلعة الأساسية وصولاً للمستهلك، إلى جانب إطلاق شهادات ادخارية دولارية ذات عائد استثمار تصاعدي مربوط بأسهم في مشروعات إنتاجية حقيقية لجذب مدخرات المصريين في الداخل والخارج نحو الاستثمار المباشر في الصناعة والتصدير ودعم سعر الصرف.
إن المعركة الحقيقية للدفاع عن سعر العملة الوطنية ومواجهة غلاء الأسعار لا تُخاض فقط في غرف البنك المركزي، بل تُخاض أولاً وقبل كل شيء في عقولنا وسلوكياتنا الاقتصادية وفي قدرتنا على صياغة عقد اجتماعي جديد قوامه التقشف الواعي، والإنتاج الكثيف، والرشادة المالية. إن مصر تمتلك من العقول والموارد والقدرات ما يجعلها قادرة على تجاوز هذه المحنة، شريطة أن ندرك أن استنزاف الحصائل الدولارية في غير موضعها أو الاستمرار في نمط استهلاكي مسرف لم يعد مقبولاً في زمن تُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على إدارة أزماتها بحكمة وصلابة. إننا بحاجة إلى ثورة حقيقية في ترشيد النفقات وتطبيق الحلول العملية المبتكرة على كافة المستويات، تبدأ من مكاتب المسؤولين ولا تنتهي عند كل بيت مصري شريف يدرك أن حماية وطنه تبدأ من حماية قيمته وعملته واقتصاده.

تم نسخ الرابط