عاجل

معتصم أبو خضرة: 17 ألف شركة تضع مصر على خريطة إعادة توزيع الأعمال إقليميًا.. والاختبار في تحويل المقرات إلى استثمارات منتجة

الدكتور معتصم أبو
الدكتور معتصم أبو خضرة

قال الدكتور معتصم أبو خضرة، الخبير الاقتصادي، إن التحركات المتزايدة لشركات دولية نحو تأسيس فروع ومكاتب لها في مصر تفتح ملفًا اقتصاديًا يتجاوز مجرد جذب استثمارات جديدة، لتطرح تساؤلًا أكثر أهمية حول قدرة السوق المصرية على الاستفادة من التحولات الجارية في خريطة الأعمال الإقليمية، وتحويلها إلى تدفقات رأسمالية وأنشطة إنتاجية مستدامة.

وأوضح أبو خضرة أن التقديرات المتداولة بشأن اتجاه نحو 16 إلى 17 ألف شركة لتأسيس مقار أو فروع لها في مصر، إذا تأكدت وفق بيانات موثقة، تستحق قراءة اقتصادية دقيقة، ليس فقط من حيث حجم الشركات، وإنما من حيث طبيعة أنشطتها، وجنسياتها، والمراحل التي وصلت إليها إجراءات التأسيس، وحجم الاستثمارات التي تعتزم ضخها داخل السوق المصرية.

وأشار إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة وما تفرضه من ضغوط على حركة الأعمال وسلاسل الإمداد وقرارات التوسع لدى الشركات متعددة الجنسيات قد تدفع بعض المؤسسات إلى إعادة تقييم مواقعها التشغيلية، والبحث عن أسواق تتيح لها مواصلة نشاطها والوصول إلى أسواق إقليمية أوسع. وفي هذا السياق، تمتلك مصر مقومات يمكن توظيفها لاستقطاب جانب من هذه التحركات، في مقدمتها موقعها الجغرافي، وحجم سوقها المحلية، واتصالها بالأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وأضاف أن المعيار الاقتصادي الأهم لا يتمثل في عدد الشركات التي تعلن رغبتها في دخول السوق، وإنما في طبيعة الوجود الذي تنشئه بالفعل؛ فهناك فارق جوهري بين شركة تفتح مكتبًا إداريًا محدود النشاط، وأخرى تنقل مركزًا إقليميًا لإدارة عملياتها، وثالثة تؤسس نشاطًا إنتاجيًا أو خدميًا يوفر وظائف نوعية ويعتمد على الموردين المحليين ويضيف قيمة للاقتصاد.

وأكد أبو خضرة أن هذا التمييز ضروري عند تقييم الأثر الحقيقي للتحركات الاستثمارية، لأن وجود مقار جديدة قد ينعكس على الطلب على المساحات الإدارية والخدمات المهنية، بينما يتسع الأثر الاقتصادي عندما يصاحب ذلك ضخ رؤوس أموال، وتوظيف العمالة، ونقل الخبرات والتكنولوجيا، وزيادة الصادرات أو إحلال بعض المنتجات والخدمات المحلية محل الواردات.

ولفت إلى أن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من التركيز على مؤشرات الاهتمام بالسوق المصرية إلى قياس معدلات التنفيذ الفعلي، من خلال متابعة عدد الشركات التي استكملت التأسيس، وحجم رؤوس الأموال التي دخلت السوق، والوظائف التي وفرتها، ونسب المكون المحلي في أنشطتها، ومدى ارتباطها بسلاسل الإنتاج والتصدير. فهذه المؤشرات هي التي تسمح بتحديد القيمة المضافة للاستثمار، وتقييم قدرته على دعم النمو الاقتصادي بصورة مستدامة.

وشدد الخبير الاقتصادي على أن المنافسة بين الأسواق لم تعد تقتصر على تقديم الحوافز الاستثمارية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على تقليل الوقت والتكلفة اللازمين لبدء النشاط، وتيسير إجراءات التراخيص، وتحقيق الوضوح التنظيمي، وتوفير الأراضي والمقار والخدمات الأساسية، إلى جانب استقرار القواعد المنظمة للأعمال. فالشركة التي تقارن بين عدة أسواق لا تنظر فقط إلى المزايا المعلنة، وإنما تحسب تكلفة التشغيل، وسرعة اتخاذ القرار، وسهولة تحويل الأرباح، وإمكانية التوسع مستقبلًا.

وأوضح أن الفرصة أمام مصر لا تكمن في استقطاب مقار الشركات وحدها، بل في توظيف هذا التوسع لبناء شبكة أوسع من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، بحيث تستفيد الشركات المحلية من عقود التوريد والخدمات، وتزداد فرص تدريب العمالة المصرية، وتتوسع قدرة السوق على جذب استثمارات ذات قيمة مضافة أعلى.

واختتم أبو خضرة تصريحاته بالتأكيد على أن المؤشر الأكثر دلالة على نجاح أي تحرك استثماري ليس عدد الشركات التي تضع مصر ضمن خططها، وإنما عدد الشركات التي تتخذ قرارًا نهائيًا بالعمل من داخلها، وحجم النشاط الذي تنقله إليها، وما يترتب على ذلك من إنتاج وتشغيل وتصدير. فالفارق بين اهتمام استثماري واسع ومكسب اقتصادي مستدام تصنعه كفاءة التنفيذ، وقدرة السوق على تحويل الفرص المتاحة إلى نشاط حقيقي يمكن قياس أثره على الاقتصاد.

تم نسخ الرابط