عاجل

د. محمد راشد: المزاج المالي للعميل في مصر أصبح عاملًا حاسمًا في توجيه الاستثمار العقاري.. والقدرة على الشراء لم تعد تعني الاستعداد لاتخاذ القرار

الدكتور محمد راشد
الدكتور محمد راشد

أكد الدكتور محمد راشد، استشاري اقتصاديات التطوير العمراني وإدارة المخاطر وعضو أمانة الإسكان المركزية بحزب الجبهة الوطنية، أن مفهوم «المزاج المالي للعميل» أصبح أحد المفاتيح المهمة لفهم حركة السوق العقارية في مصر، موضحًا أن قرار شراء العقار لم يعد مرتبطًا فقط بمستوى الدخل أو توافر السيولة، وإنما يتأثر بدرجة شعور العميل بالأمان المالي، وتوقعاته بشأن المستقبل، ومدى ثقته في قدرته على الوفاء بالتزاماته لسنوات طويلة.

وأوضح راشد أن الحديث عن المزاج المالي للمواطن الأمريكي، في ضوء مؤشرات ثقة المستهلكين والتوقعات المتعلقة بالأوضاع المالية الشخصية، يفتح الباب أمام قراءة اقتصادية أوسع تنطبق على أسواق مختلفة، من بينها السوق المصرية، وهي أن قرارات الاستهلاك والاستثمار لا تتحرك بالأرقام وحدها، بل تتأثر أيضًا بتوقعات الأفراد ومخاوفهم وتقديراتهم للمخاطر المستقبلية.

وأضاف أن السوق العقارية المصرية تقدم نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة؛ فقد يمتلك العميل مقدم الحجز، ويكون قادرًا من الناحية الحسابية على سداد الأقساط، لكنه يتردد في اتخاذ قرار الشراء بسبب مخاوفه من تغير دخله، أو ارتفاع نفقاته المعيشية، أو عدم وضوح التزاماته المستقبلية. وفي المقابل، قد يقبل عميل آخر على شراء وحدة عقارية رغم ارتفاع قيمتها، إذا كان يشعر باستقرار دخله، ويمتلك رؤية واضحة لتدفقاته النقدية، ويثق في قدرته على إدارة التزاماته المالية.

وأشار راشد إلى أن هذا التباين يفرض على شركات التطوير العقاري تجاوز المفهوم التقليدي الذي يربط الطلب بعدد العملاء وحجم السيولة المتاحة، والتوجه إلى فهم أعمق للسلوك المالي للمشتري، موضحًا أن الفارق بين العميل القادر على الشراء والعميل المستعد لاتخاذ قرار الشراء قد يكون هو العامل الحاسم في تحديد سرعة المبيعات، ومعدلات التحويل من الاستفسارات إلى التعاقدات، وقدرة الشركات على بناء تدفقات نقدية مستقرة.

ولفت إلى أن أنظمة السداد الممتدة التي تعتمدها الشركات العقارية لا تعالج وحدها جميع مخاوف العملاء؛ فالقسط المنخفض قد يبدو جذابًا عند التعاقد، لكنه لا يضمن بالضرورة شعور المشتري بالاطمئنان إذا كانت التزاماته المستقبلية غير واضحة أو كان يخشى تراجع قدرته الشرائية. ومن ثم، فإن المنافسة الحقيقية لا تقتصر على خفض مقدم الحجز أو مد فترة التقسيط، بل تمتد إلى تقديم منتج يتناسب مع القدرة المالية الفعلية للعميل، وجدول سداد يمكنه استيعابه دون تعريض استقراره المالي لمخاطر غير محسوبة.

وأكد أن المزاج المالي للعميل يجب أن يصبح عنصرًا حاضرًا في دراسات الجدوى والتسعير وتحديد الشرائح المستهدفة، إلى جانب مؤشرات الدخل والأسعار والفائدة وتكلفة التمويل، موضحًا أن قياس اتجاهات الطلب يتطلب التمييز بين العميل الذي يبحث عن مسكن لتلبية احتياجاته الفعلية، والمشتري الذي يتعامل مع العقار باعتباره مخزنًا للقيمة، والمستثمر الذي يستهدف عائدًا إيجاريًا أو زيادة رأسمالية مستقبلية، لأن لكل شريحة دوافع مختلفة وحساسية متباينة تجاه المخاطر.

وأضاف راشد أن المطور الذي ينجح في قراءة المزاج المالي للسوق يستطيع اتخاذ قرارات أكثر كفاءة فيما يتعلق بتوقيت إطلاق المشروعات، ومزيج الوحدات والمساحات، وسياسات التسعير، وخطط التحصيل، بما يقلل احتمالات تراكم الوحدات غير المباعة أو الاعتماد المفرط على المبيعات المستقبلية لتمويل الالتزامات الحالية. كما أن فهم طبيعة العميل يساعد الشركات على بناء خطط تسويقية واقعية بدلًا من الاعتماد على حجم الطلب الظاهري وحده.

وشدد على أن إدارة المخاطر في القطاع العقاري لا ينبغي أن تقتصر على المخاطر التمويلية والتشغيلية، بل يجب أن تشمل أيضًا مخاطر تغير سلوك المستهلك وتراجع استعداده للشراء، معتبرًا أن التحولات في المزاج المالي قد تسبق أحيانًا ظهور آثارها في أرقام المبيعات والتحصيل، وهو ما يجعل متابعة مؤشرات الثقة والقدرة الشرائية والاستقرار الوظيفي والالتزامات الأسرية أداة مهمة في استشراف اتجاهات السوق.

واختتم راشد تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل السوق العقارية المصرية لن يتحدد فقط بقدرة الشركات على بناء وحدات جديدة، وإنما بقدرتها على فهم العميل وتقديم حلول تتوافق مع احتياجاته وإمكاناته وتوقعاته، مشيرًا إلى أن السوق الأكثر استدامة ليست بالضرورة السوق التي تحقق أعلى مبيعات في الأجل القصير، بل التي تنجح في تحويل الطلب إلى تعاقدات قابلة للاستمرار والتحصيل إلى تدفقات نقدية حقيقية، بما يحمي المشتري من التعثر، ويحافظ على الملاءة المالية للمطور، ويدعم استقرار القطاع العقاري باعتباره أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد المصري.

تم نسخ الرابط