عاجل

قبل أن تشمخ الأهرامات في وجه السماء، وتتعانق أعمدة الكرنك مع الغيم، وقبل أن تحبس جدران معابد البر الغربي أنفاسها لتحفظ لنا أسرار الملوك العظام، كان نهر النيل بمثابة الشريان الذي يضخ الحياة في جسد مصر؛ شريانها الأعظم الذي يمتد من الجنادل في أقصى الجنوب حتى ينثر مياهه في الدلتا شمالاً. وهناك، حيث تهب الريح من الشمال أغلب العام، وحيث يجري التيار في الاتجاه نفسه، اكتشف المصري القديم سرّ الحركة: فإذا أراد الصعود جنوباً، رفع الشراع واستسلم لدفع الريح، وإذا أراد الانحدار شمالاً، طوى الشراع وانساب مع الماء.
ومن هذه الحكمة البسيطة، التي وُلدت من رحم الطبيعة، انبثقت حضارة بأكملها. تسلل هذا الإدراك إلى أعماق اللغة ذاتها؛ ففي الهيروغليفية، كانت علامة "السفر جنوباً" تُحدد بمركب ذي شراع منشور، بينما كانت علامة "السفر شمالاً" بمركب بلا شراع، وكأن حركة الرحلة على ظهر سفينة أصبحت جزءاً من وجدانه اللغوي والبصري.
فلنُبحر إذن في رحلة عبر الزمن، مع أجدادنا، من قارب البردي الأول الذي شقّ مياه المستنقعات، إلى الأساطيل التي جابت البحار وفرضت هيبة مصر.
بدأت الحكاية بحزمة من سيقان البردي، يربطها الصياد بعضها إلى بعض حتى تصير قارباً خفيفاً ينساب بين أدغال المستنقعات. ثم خطّ أهل ما قبل التاريخ على أوانيهم الفخارية، صور مراكب ذات مجاديف كثيرة، كأنهم كانوا يسجلون حلماً بدأ يكبر ويأخذ شكل السفينة. وفي أبيدوس، كشفت الرمال عن أسطول كامل دُفن قرب مقابر ملوك الأسرة الأولى؛ نحو أربعة عشر مركباً خشبياً يزيد عمرها على خمسة آلاف عام، كانت مُعدّة لتكون زاداً ومركباً للملك حين يعبر إلى خلود العالم الاخر.
ومن تلك المراكب البدائية التي حُمِل فيها الملك إلى الأبد، إلى قمة الإبداع الهندسي الذي انتظر آلاف السنين ليكشف عن نفسه، فتحت وطأة الصمت الذي يلفّ هضبة الجيزة، وتحديداً في عام 1954، أزاح الأثري كمال الملاخ الستار عن حفرةٍ مغلقة إلى جوار الهرم الأكبر. وما إن رُفعت الأحجار حتى انبعثت من داخلها رائحة خشب الأرز العابقة، كأنها تسللت إلينا من ورشة نجارٍ أنهى عمله بالأمس القريب، لا من عمق التاريخ. كانت هناك، في رحم الأرض، سفينة الملك خوفو، مفككة إلى أكثر من ألف ومئتي قطعة، تنتظر بفارغ الصبر منذ نحو أربعة آلاف وخمسمئة عام. يقارب طول السفينة المهيبة ثلاثةً وأربعين مترًا، والعجيب أنها لم تُثبَّت بمسامير قط، بل رُبطت ألواحها بالحبال، وتداخلت بالأوتاد؛ فإذا لامس الخشب الماء انتفخ وأحكم الإغلاق.
كانت هذه السفينة المهيبة شاهداً على مشروع مؤسسي ضخم لعبت فيه المياه دور محوري. فعلى ساحل البحر الأحمر، جنوب السويس، وفي ميناء وادي الجرف تحديدا، عثرت بعثة فرنسية مصرية على كنزٍ من لفائف البردي، تضم دفتر يوميات لموظف اسمه «مِرِر»، كان يقود فرقة من نحو أربعين رجلًا في عهد خوفو. يكتب «مِرِر» بلغة رصينة، كأنه موظف حكومي اعتاد تسجيل الأرقام والتفاصيل دون زخرفة. يكتب عن نقل كتل الحجر الجيري من محاجر طرة، عبر النيل والقنوات، إلى موقع الهرم الأكبر. لكن هذه السطور الجادة، على رتابتها، تفتح لنا نافذةً نادرة على حقيقة مذهلة: نرى فيها الهرم كمشروعٍ هائل تحمله القوارب على أكتاف الماء، وتُسيره عقولٌ مدربة وأيادٍ عاملة قوية.
وهكذا، بينما كانت القوارب تشق صفحة النيل حاملةً حجارة الهرم، كان المصري يتطلع إلى آفاق أوسع؛ فقد سعى شمالاً نحو بلاد الشام باحثاً عن خشبٍ يصلح لبناء سفنه الكبيرة. فلم يكن في مصر ما يُطيق أن يحمل أشرعةً أو يواجه أمواجاً؛ فالسنط والجميز قصير الألياف، عُقَدي، لا يقوى على ذلك. فالتفت المصري نحو غابات لبنان، وإلى ميناء جبيل حيث ينتظر الأرز الشامخ. ويسجّل حجر بالرمو أن الملك سنفرو، والد خوفو، استقبل أربعين سفينة محمّلة بخشب الأرز، في واحدةٍ من أقدم الإشارات إلى تجارة بحرية منظمة. وبعد ذلك بقرابة قرن، نقش الملك ساحورع على جدران معبده في أبوصير مشهداً مدهشاً: سفن تعود من البحر، وعلى ظهرها بحّارة وأجانب يرفعون أيديهم تحيةً للملك، وقد شدّت حبالٌ غليظة من مقدمة السفينة إلى مؤخرتها لتمنع هيكلها الطويل من الانحناء تحت وطأة الأمواج. كان المصري قد تعلم، بالتجربة والمراس، أن البحر ليس نهراً كبيراً، وأن له قوانين أخرى؛ قوانين لا تُخضع السفينة للماء فحسب، بل تجعل الماء يخشى السفينة.
ولم تقتصر هذه البراعة على التجارة والاستكشاف، بل امتدت إلى ساحات القتال. ففي مقبرته بالكاب، ترك لنا ضابط بحري اسمه "أحمس بن إبانا" سيرةً ذاتية نادرة، يحكي فيها كيف خدم على سفن الملك أحمس في حرب تحرير مصر من الهكسوس. كان يقاتل في القنوات المائية حول عاصمتهم "أواريس" في الدلتا، ويعود بالأسرى، ويُكافأ بذهب الشجاعة. إنه صوتٌ فرديٌّ لجنديٍّ من البحرية، يصل إلينا عبر خمسة وثلاثين قرناً، ليذكرنا بأن التاريخ لا يُصنعه الملوك وحدهم، بل يصنعه أيضاً أولئك الذين امتطوا الأمواج وهم يحملون السلاح.
وبعد أن ذاقت مصر طعم النصر على الماء، واجهت بعد نحو أربعة قرون خطراً أعظم وأشد ضراوة، حيث سجّل رمسيس الثالث انتصاره على هجوم "شعوب البحر" عند مصبّات النيل. فنرى في نقوش معبده بمدينة هابو سفناً متشابكة، ورماةً مصريين يمطرون الأعداء بالسهام من السفن ومن الشاطئ، وخطافاتٍ تقلب مراكب الغزاة، ومحاربين يسقطون في الماء. فصارت مصر تعرف كيف تجعل من نيلها حصناً، ومن موجاته سوراً يحمي البلاد
وفي القرن السابع قبل الميلاد، حلم الملك نخاو الثاني بما سيحققه العالم بعد خمسة وعشرين قرناً: أن يصل النيل بالبحر الأحمر، فتعبر السفن من المتوسط إلى الشرق دون أن تلمس الصحراء. بدأ حفر قناةٍ عبر وادي الطميلات، وهي القناة التي أكملها الملك الفارسي دارا الأول من بعده، ليبقى الحلم حياً، ينتظر من يكمله.
وهكذا، من حزمة بردي في مستنقعات الدلتا، إلى سفينة أرز تنام بجوار الهرم، إلى أسطول يصدّ الغزاة عند المصبّات، رسم المصري القديم تاريخه على صفحة النيل العظيم، وكان البحر عنده باباً ينفتح على العالم، وطريقاً يمتد إلى ما هو أبعد من الأفق.

تم نسخ الرابط