الذهب يكسر حاجز 4000 دولار للأونصة.. صدمة النفط وارتفاع عوائد السندات يضغطان على المعدن الأصفر
دخلت أسواق الذهب العالمية مرحلة جديدة من التقلبات الحادة، بعدما هبطت أسعار المعدن الأصفر إلى ما دون مستوى 4000 دولار للأونصة، وفقًا للبيانات الواردة، وسط ضغوط متزامنة ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط، وتصاعد توقعات التضخم، وزيادة عوائد السندات الأمريكية، بالتزامن مع اضطرابات في أسواق الأسهم دفعت بعض المستثمرين إلى تسييل أصولهم لتوفير السيولة.
وسجلت عقود الذهب الآجلة تسليم ديسمبر تراجعًا أسبوعيًا بنسبة 4.1%، في أكبر انخفاض أسبوعي منذ يونيو، لتبتعد الأسعار بنحو 29% عن ذروتها التاريخية المسجلة في أواخر يناير، عندما اقتربت من مستوى 5600 دولار للأونصة. ويعكس هذا التراجع تحولًا ملحوظًا في موازين السوق، بعدما واجه الذهب، الذي يُنظر إليه تقليديًا باعتباره ملاذًا آمنًا، ضغوطًا ناتجة عن عوامل مالية ونقدية تتجاوز المخاطر الجيوسياسية وحدها.
النفط والفائدة.. معادلة تضغط على جاذبية الذهب
يمثل ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز مصادر الضغط على المعدن الأصفر، بعدما تجاوز خام برنت مستوى 117 دولارًا للبرميل وفقًا للأرقام الواردة، بالتزامن مع تصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز. ويؤدي ارتفاع الطاقة إلى زيادة المخاوف بشأن استمرار الضغوط التضخمية، بما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تأجيل أي تخفيضات متوقعة.
وتكمن أهمية هذه العلاقة في أن الذهب لا يدر عائدًا دوريًا لحائزيه، على عكس السندات والأدوات المالية التي تقدم عوائد. لذلك، عندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية، تزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، وهو ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح الأصول المدرة للدخل.
وفي هذا السياق، فإن ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى مستويات تقترب من 4.96%، وفقًا للبيانات المتداولة، يعزز المنافسة أمام الذهب، خصوصًا عندما تتزايد توقعات بقاء السياسة النقدية الأمريكية متشددة. وبذلك، تتحول أزمة الطاقة من مجرد عامل يدعم الطلب على الملاذات الآمنة إلى مصدر ضغط نقدي قد يحد من جاذبية المعدن الأصفر.
نداءات الهامش.. لماذا يبيع المستثمرون الذهب في أوقات الاضطراب؟
لا تقتصر الضغوط على ارتفاع العوائد؛ إذ يمكن أن تتسبب الخسائر الحادة في أسواق الأسهم، خاصة أسهم التكنولوجيا، في دفع بعض المستثمرين إلى بيع أصول أخرى، من بينها الذهب والفضة، لتوفير السيولة اللازمة لتغطية نداءات الهامش والالتزامات التمويلية.
وتكشف هذه الظاهرة عن مفارقة مهمة في الأسواق المالية: فالأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من المخاطر قد تتحول مؤقتًا إلى مصدر للسيولة عندما تتسع الخسائر في أجزاء أخرى من محافظهم. وفي هذه الحالة، لا يكون البيع بالضرورة تعبيرًا عن تراجع الثقة في الذهب على المدى الطويل، بل قد يعكس الحاجة العاجلة إلى النقد أو تقليص المراكز الاستثمارية الممولة بالاقتراض.
ومن ثم، فإن تراجع الذهب خلال موجات الاضطراب لا يعني تلقائيًا اختفاء دوره كأداة للتحوط، لكنه يوضح أن سلوك الأسعار في الأجل القصير يتأثر أيضًا باحتياجات السيولة وحركة المراكز الاستثمارية وحجم المخاطر في الأسواق العالمية.
البنوك المركزية.. دعم استراتيجي يتجاوز تقلبات الأسعار
على الجانب الآخر، لا تزال مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد العوامل الهيكلية المهمة في سوق الذهب. فقد تجاوزت مشتريات البنوك المركزية عالميًا 1000 طن سنويًا خلال الأعوام من 2022 إلى 2024، وفقًا للبيانات المشار إليها، في اتجاه يعكس سعي عدد من السلطات النقدية إلى تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد النسبي على الأصول المقومة بعملات أجنبية بعينها.
كما تشير التقديرات المنسوبة إلى مجلس الذهب العالمي إلى أن غالبية السلطات النقدية المشاركة في استطلاعاته تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال العام المقبل. ويعزز ذلك الرؤية التي تعتبر المعدن الأصفر أصلًا استراتيجيًا في إدارة الاحتياطيات، لا مجرد أداة للمضاربة أو الاستثمار قصير الأجل.
ومع ذلك، فإن استمرار مشتريات البنوك المركزية لا يمنع الأسعار من الهبوط في الأجل القصير؛ فالسوق تتأثر بتفاعل عدة قوى في وقت واحد، من بينها تدفقات صناديق الاستثمار، وتوقعات الفائدة، وقوة الدولار، والطلب الفعلي، إلى جانب قرارات المستثمرين الأفراد والمؤسسات. لذلك، يمكن أن يتعايش الطلب الرسمي طويل الأجل مع موجات تصحيح سعرية حادة.
الذهب المخبري.. لماذا لا يفسر التراجع الحالي؟
وفي خضم النقاشات الدائرة حول مستقبل المعدن الأصفر، ظهرت ادعاءات بشأن إمكانية تحويل الزئبق إلى ذهب عبر عمليات نووية أو اندماجية. غير أن مثل هذه الادعاءات لا تمثل، في صورتها المتداولة، تفسيرًا موثقًا لحركة الأسعار الحالية، كما أن إنتاج كميات تجارية من الذهب بهذه الطرق يواجه تحديات علمية وتقنية واقتصادية كبيرة.
فالتحويل النووي للعناصر يختلف جذريًا عن عمليات الاستخلاص والتكرير التقليدية، ولا يعني إثبات إمكانية إنتاج ذرات من الذهب أن بالإمكان توفير كميات اقتصادية تؤثر في المعروض العالمي. كما أن الحديث عن تخزين المواد الناتجة لفترات طويلة، أو عن نظائر تحتاج إلى معالجة، يتطلب تحققًا علميًا مستقلًا قبل التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.
وبالتالي، لا توجد أسس كافية لربط التراجع الراهن في أسعار الذهب بهذه الادعاءات؛ إذ تشير العوامل السوقية المباشرة إلى أن الضغوط النقدية وارتفاع العوائد واحتياجات السيولة تظل تفسيرات أكثر ارتباطًا بحركة الأسعار الحالية.
هل دخل الذهب مرحلة هبوط طويلة أم أن ما يحدث تصحيح مؤقت؟
يتوقف مسار الذهب خلال الفترة المقبلة على اتجاه التضخم وأسعار الفائدة الأمريكية، ومدى استمرار ارتفاع النفط، وتطورات التوترات الجيوسياسية، وحركة الدولار وعوائد السندات. فإذا استمرت العوائد المرتفعة وتراجعت توقعات خفض الفائدة، فقد يظل المعدن تحت ضغط في الأجل القصير. أما إذا تصاعدت المخاطر المالية والجيوسياسية، أو بدأت توقعات السياسة النقدية في التحول نحو التيسير، فقد يستعيد الذهب جزءًا من جاذبيته.
وتؤكد هذه التطورات أن الذهب لا يتحرك بمعزل عن بقية الأسواق، وأن صفته كملاذ آمن لا تعني ارتفاعه في جميع الظروف. ففي بعض المراحل، تتقدم اعتبارات السيولة والعائد على دوافع التحوط، بينما تظهر أهمية الطلب الاستراتيجي من البنوك المركزية بصورة أوضح على المدى الطويل.
وتبقى الرسالة الأهم للمستثمرين أن التراجع السعري وحده لا يكفي للحكم على الاتجاه المستقبلي للمعدن الأصفر؛ إذ يتطلب تقييم السوق الفصل بين الضغوط قصيرة الأجل المرتبطة بالفائدة والسيولة، والعوامل الهيكلية التي تدعم الطلب على الذهب باعتباره جزءًا من منظومة الاحتياطيات والتحوط وتنويع الأصول عالميًا.