عاجل

برنت بين شبح الحرب وإجهاد الطلب.. هل تدفع المواجهة مع إيران أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل؟

أسواق النفط العالمية
أسواق النفط العالمية

تواجه أسواق النفط العالمية معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها المخاطر الجيوسياسية مع التحولات الهيكلية في أنماط استهلاك الطاقة، وسط مخاوف من أن يؤدي تجدد المواجهة العسكرية مع إيران إلى موجة جديدة من اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.

 ومع اقتراب خام برنت من مستوى 115 دولارًا للبرميل وفقًا للتقديرات الواردة، يتصاعد التساؤل بشأن إمكانية وصول الأسعار إلى حاجز 150 دولارًا، أم أن قدرة الاقتصاد العالمي على التكيف ستحد من نطاق الصعود.

ورغم أن سيناريو الـ150 دولارًا يظل مطروحًا في حال حدوث صدمة حادة وممتدة في الإمدادات، فإن التقديرات الأكثر تحفظًا ترجح تحرك الأسعار في نطاق يتراوح بين 120 و130 دولارًا للبرميل، في ظل تداخل عدة عوامل تحد من اندفاع السوق نحو مستويات قياسية جديدة، دون أن تنفي احتمالات التصعيد إذا اتسعت دائرة المخاطر.

تسعير المخاطر.. لماذا لا تتراجع الأسعار سريعًا؟

استمرار تداول النفط عند مستويات مرتفعة، رغم تعافي التدفقات النفطية إلى مستويات تقترب من معدلات ما قبل الحرب وفقًا للتقديرات المطروحة، يعكس أن السوق لا تسعّر الإمدادات الحالية فقط، بل تضع في حساباتها أيضًا احتمالات تعطلها مستقبلًا. فأسعار النفط لا تتحرك وفق حجم المعروض الفعلي وحده، وإنما تتأثر كذلك بتوقعات المتعاملين، وتكلفة التأمين والنقل، والمخزونات، ومدى القدرة على تعويض أي نقص محتمل.

وتعني هذه المعادلة أن تجدد التوترات قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي في المعروض، خاصة إذا ارتفعت المخاوف بشأن أمن الممرات البحرية أو تعرض البنية التحتية للطاقة لمخاطر مباشرة. لكن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة لا يضمن بالضرورة مواصلة الصعود؛ إذ يمكن أن تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية إذا هدأت المواجهات أو اتضحت قدرة المنتجين على تعويض الإمدادات المتضررة.

مضيق هرمز.. نقطة التحول في معادلة الأسعار

تظل التطورات المتعلقة بمضيق هرمز أحد أهم المتغيرات التي قد تحدد اتجاه سوق النفط، بالنظر إلى دوره المحوري في حركة تجارة الطاقة العالمية. وأي تعطيل واسع ومستمر لحركة الشحن عبر المضيق قد يفرض صدمة كبيرة على المعروض، ويرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد المنافسة على الإمدادات المتاحة.

غير أن الوصول إلى مستوى 150 دولارًا لا يرتبط بمجرد تجدد التوترات العسكرية، بل يتوقف على حجم التعطل الفعلي ومدته، وقدرة المنتجين الآخرين على زيادة الإمدادات، ومستويات المخزون، وسرعة استجابة الطلب. فكلما طال أمد اضطراب التدفقات وقلت البدائل المتاحة، ارتفعت احتمالات تجاوز الأسعار نطاق 120 إلى 130 دولارًا.

الصين والتحول التكنولوجي.. ضغط هيكلي على الطلب

في المقابل، لم تعد سوق النفط تعتمد على معادلات العرض والطلب التقليدية وحدها؛ إذ بدأت التحولات التكنولوجية في قطاع النقل تؤثر بصورة متزايدة في نمو الاستهلاك، مع التوسع في استخدام السيارات الكهربائية وشاحنات الغاز الطبيعي والمركبات العاملة بالكهرباء.

وتبرز الصين في هذا السياق بوصفها أحد أهم محركات التحول في الطلب العالمي، وسط تقديرات تشير إلى إمكانية إزاحة نحو 1.3 مليون برميل يوميًا من الطلب على النفط خلال عام 2026 بفعل التحول في قطاع النقل. ويعني ذلك أن نمو الاستهلاك قد يصبح أقل اندفاعًا مما كان عليه في فترات سابقة، بما يحد من قدرة الصدمات المؤقتة في الإمدادات على دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة لفترات طويلة.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يلغي حساسية السوق للصدمات الجيوسياسية؛ فالطلب الذي يتراجع تدريجيًا بفعل التكنولوجيا لا يستطيع بالضرورة تعويض نقص مفاجئ وكبير في الإمدادات. ومن ثم، فإن التحول نحو الطاقة البديلة يمثل عاملًا هيكليًا يضغط على نمو الطلب، لكنه ليس ضمانة ضد القفزات السعرية الحادة.

هل أصبح الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص الصدمات؟

بعد أشهر من الاضطرابات، يمكن للاقتصاد العالمي وقطاعات النقل والطاقة أن يطورا بعض آليات التكيف، سواء عبر تعديل مسارات الشحن، أو إدارة المخزونات، أو ترشيد الاستهلاك، أو الاستفادة من بدائل الطاقة. لكن حجم هذا التكيف يظل متفاوتًا بين الدول والقطاعات، كما أن تكلفته قد ترتفع كلما طال أمد الأزمة.

ويعني ذلك أن تكرار صدمة سابقة لا يؤدي بالضرورة إلى تكرار النتيجة السعرية نفسها؛ فقد تكون السوق أكثر استعدادًا من ناحية، لكنها قد تواجه أيضًا مخزونات أقل أو طاقات إنتاجية احتياطية محدودة أو اختناقات لوجستية أشد من ناحية أخرى. لذلك، فإن الحكم على قدرة السوق على امتصاص جولة جديدة من التصعيد يحتاج إلى متابعة بيانات الإمدادات الفعلية، وليس الاكتفاء بقياس ردود الفعل السابقة.

150 دولارًا.. سيناريو استثنائي وليس مسارًا حتميًا

تتوقف إمكانية وصول خام برنت إلى 150 دولارًا للبرميل على اجتماع مجموعة من العوامل، أبرزها حدوث تعطيل واسع وممتد للإمدادات، واستمرار المخاطر في الممرات البحرية، ومحدودية قدرة المنتجين على التعويض، إلى جانب ضعف الاستجابة من جانب الطلب في الأجل القصير.

أما إذا ظلت الاضطرابات محدودة زمنيًا، واستمرت التدفقات النفطية في التعافي، ونجحت الأسواق في الاستفادة من المخزونات والبدائل المتاحة، فقد يبقى نطاق 120 إلى 130 دولارًا أقرب إلى السيناريوهات الأكثر تحفظًا المطروحة، مع بقاء الأسعار عرضة لتقلبات حادة تبعًا لتطورات الصراع.

وتكشف هذه المعادلة أن سوق النفط تقف عند تقاطع بين الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي؛ فالمخاطر العسكرية قادرة على إشعال موجات صعود سريعة، بينما يعمل التحول في أنماط الاستهلاك على إعادة تشكيل الطلب تدريجيًا. وبين العاملين، لن يتحدد اتجاه برنت بالتصريحات السياسية وحدها، بل بمدى انتقال التهديدات إلى تعطل فعلي ومستمر في الإمدادات، وبقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل كلفة الطاقة المرتفعة دون أن يتحول ارتفاع الأسعار نفسه إلى عامل يضغط على النمو ويحد من الطلب.

تم نسخ الرابط