ما لا يُقسَّط لا يُشترى.. كيف تحوّل التمويل الاستهلاكي إلى أسلوب حياة في مصر؟ وهل أصبح التقسيط حلًا لضغوط المعيشة أم فخًا للديون؟
لم يعد التقسيط في مصر مجرد وسيلة لشراء الأجهزة الكهربائية أو الهواتف المحمولة أو الأثاث أو غيرها من السلع التي يصعب تدبير قيمتها دفعة واحدة، بل تحوّل تدريجيًا إلى ثقافة استهلاكية تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد تشكيل طريقة تفكير قطاعات من المواطنين في الشراء والإنفاق وإدارة الدخل. فبعدما كان المشتري يسأل عن سعر السلعة، أصبح السؤال الأكثر حضورًا: «هتدفع كام في الشهر؟»، وبعدما كان قرار الشراء يرتبط بقدرة الأسرة على توفير ثمن المنتج، بات مرتبطًا بقدرتها على تحمّل قسط شهري يبدو صغيرًا في ظاهره، حتى وإن امتدت الالتزامات لعدة أشهر أو سنوات.
ومن هنا ظهرت القاعدة التي يرددها البعض في الأسواق وعلى مواقع التواصل الاجتماعي: «ما لا يُقسَّط لا يُشترى»، وهي عبارة تختصر تحوّلًا اقتصاديًا واجتماعيًا أعمق من مجرد انتشار عروض البيع بالتقسيط؛ إذ تكشف عن تغير علاقة المستهلك المصري بالنقود، وعن اتساع الفجوة بين تكلفة الاحتياجات اليومية والقدرة على شرائها نقدًا، فضلًا عن صعود نموذج استهلاكي أصبحت فيه القدرة على دفع مبلغ شهري محدد أهم من امتلاك ثمن السلعة بالكامل.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه هو: هل أصبح التقسيط ضرورة فرضتها الظروف الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للدخول، أم أنه تحول في بعض الحالات إلى سلوك استهلاكي يشجع على الشراء قبل التأكد من القدرة الحقيقية على السداد؟ وهل تمثل شركات التمويل الاستهلاكي وسيلة لتخفيف الضغوط عن المواطنين وتوسيع قدرتهم على الحصول على احتياجاتهم، أم أن سهولة الحصول على التمويل قد تدفع بعض الأسر إلى التزامات تتجاوز إمكاناتها المالية؟
الإجابة ليست في اتهام المواطن بسوء إدارة أمواله، ولا في تحميل شركات التمويل وحدها مسؤولية الظاهرة، وإنما في فهم العلاقة بين التضخم والدخل وأسعار الفائدة وأنماط الاستهلاك والتسويق والوعي المالي، ثم البحث عن آليات تحقق التوازن بين حق المواطن في الحصول على التمويل، وحقه في الحماية من المديونية المفرطة.
من شراء السلعة إلى شراء القدرة على الدفع
قبل سنوات، كان شراء سلعة بقيمة 20 ألفًا أو 30 ألف جنيه يتطلب قرارًا ماليًا واضحًا: إما امتلاك المبلغ، أو الادخار حتى توافره، أو اللجوء إلى أحد أشكال التقسيط التقليدية. أما اليوم، فقد أصبحت تطبيقات التمويل الاستهلاكي ومنصات الشراء بالتقسيط جزءًا من تجربة الشراء نفسها، وأصبح المستهلك قادرًا على مقارنة قيمة القسط الشهري بميزانيته قبل أن يفكر في إجمالي ما سيدفعه مقابل السلعة.
هذا التحول لا يمكن اعتباره سلبيًا في حد ذاته؛ فالتمويل الاستهلاكي، عندما يُستخدم وفق ضوابط واضحة، يتيح توزيع تكلفة المشتريات على فترة زمنية، ويساعد الأسرة على تدبير احتياجات ضرورية لا تستطيع شراءها نقدًا في لحظة واحدة. كما يمنح التجار فرصًا لتوسيع قاعدة العملاء، ويدعم حركة المبيعات، ويوفر بدائل تمويلية خارج الإطار المصرفي التقليدي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القسط هو المعيار الوحيد لاتخاذ القرار، بينما يتراجع الاهتمام بإجمالي التكلفة، والرسوم الإدارية، وسعر العائد، والغرامات المحتملة، وتعدد الالتزامات الشهرية. فقد يرى المستهلك أن دفع ألف جنيه شهريًا أمر يمكن تحمله، لكنه قد لا ينتبه إلى أن لديه أقساطًا أخرى للهاتف أو الأجهزة المنزلية أو المشتريات السابقة، إلى جانب الإيجار وفواتير الكهرباء والمياه والإنفاق على الطعام والمواصلات والتعليم والعلاج.
هنا لا يعود السؤال الحقيقي: هل يستطيع المواطن دفع ألف جنيه؟ وإنما: هل يستطيع دفع هذا المبلغ بصورة منتظمة بعد تغطية احتياجاته الأساسية، ودون اللجوء إلى اقتراض جديد لسداد التزاماته القديمة؟
إن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين تمويل يساعد الأسرة على إدارة نفقاتها، وتمويل قد يتحول إلى عبء يستنزف دخلها تدريجيًا.
الأرقام تكشف اتساع الظاهرة.. التمويل الاستهلاكي يتجاوز 96 مليار جنيه
الأرقام الرسمية تقدم مؤشرًا مهمًا على حجم التحول الذي يشهده السوق المصري. فقد أظهرت بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية أن قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح خلال عام 2025 بلغت نحو 96.3 مليار جنيه، مقابل 61.3 مليار جنيه خلال عام 2024، بمعدل نمو بلغ 57%.
ووفقًا لبيانات الهيئة، استفاد أكثر من 10.8 مليون عميل من نشاط التمويل الاستهلاكي بنهاية عام 2025، عبر 48 جهة حاصلة على تراخيص لممارسة النشاط، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين وتزايد حضور هذا النوع من التمويل في السوق المصرية.
ولم يتوقف النمو عند هذا المستوى؛ إذ ارتفعت قيمة التمويل الاستهلاكي خلال النصف الأول من عام 2026 إلى نحو 71.84 مليار جنيه، مقابل 38.11 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة سنوية بلغت 88.5%، وفق البيانات المنشورة عن الهيئة العامة للرقابة المالية.
هذه الأرقام لا تعني بالضرورة أن جميع المستهلكين يواجهون صعوبات مالية، كما لا تثبت وحدها أن ارتفاع التمويل يرجع بالكامل إلى تراجع الدخول؛ إذ قد يتأثر النمو بارتفاع أسعار السلع، وزيادة انتشار الخدمات الرقمية، واتساع قاعدة الشركات والمتعاملين، وتغير أنماط الشراء. لكنها تكشف بوضوح عن تنامي أهمية التمويل الاستهلاكي في النشاط الاقتصادي، وتطرح تساؤلًا ضروريًا حول طبيعة هذا النمو: هل يعكس توسعًا صحيًا في إتاحة التمويل، أم أن جزءًا منه يعبر عن احتياجات استهلاكية بات من الصعب تلبيتها من الدخل الجاري وحده؟
وهنا ينبغي التمييز بين نمو قيمة التمويلات ونمو القدرة الحقيقية على الاستهلاك؛ فارتفاع قيمة التمويل قد يعكس زيادة عدد العملاء أو عدد العمليات أو ارتفاع أسعار السلع أو اجتماع هذه العوامل. ولذلك فإن القراءة الاقتصادية السليمة لا تكتفي بحجم التمويل، بل تبحث أيضًا في متوسط قيمة الالتزام، ومدته، وتكلفته، ونسبة الأقساط إلى دخل العملاء، ومعدلات التأخر عن السداد والتعثر.
التضخم يغيّر حسابات الأسرة.. لكن تراجع التضخم لا يعني عودة الأسعار إلى الوراء
لفهم انتشار ثقافة التقسيط، لا بد من وضعها في سياق الضغوط التي تعرضت لها الأسر المصرية خلال السنوات الماضية، مع ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات، وتراجع القدرة الشرائية للنقود، وتزايد صعوبة تدبير المبالغ الكبيرة من الدخل الشهري.
فالتضخم لا يعني فقط ارتفاع الأسعار، بل يعني أيضًا أن المبلغ الذي كان يكفي لشراء مجموعة من الاحتياجات في الماضي قد لا يكفي لشراء المجموعة نفسها اليوم. وإذا لم ترتفع الدخول بالقدر نفسه الذي ترتفع به تكلفة المعيشة، تجد الأسرة نفسها أمام معادلة صعبة: احتياجات لا يمكن الاستغناء عن بعضها، ودخل لا يسمح بتغطيتها جميعًا في توقيت واحد.
وتظهر بيانات البنك المركزي المصري أن معدل التضخم العام للحضر سجل 13.9% على أساس سنوي في سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس من العام نفسه. ورغم أن تراجع معدل التضخم يمثل تطورًا إيجابيًا، فإن ذلك لا يعني انخفاض الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ فتباطؤ التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، وليس بالضرورة أنها أصبحت أرخص.
وهذا الفارق بالغ الأهمية في فهم سلوك المستهلك. فقد تتحسن المؤشرات الاقتصادية تدريجيًا، بينما تظل الأسرة مطالبة بالتعامل مع مستويات سعرية مرتفعة تكونت خلال فترات سابقة. وبالنسبة إلى المواطن، لا يكفي أن يسمع أن التضخم يتراجع إذا كان لا يزال يشعر بأن دخله لا يغطي الاحتياجات نفسها التي كان يستطيع تدبيرها من قبل.
في هذه البيئة، يبدو التقسيط لبعض الأسر أداة لتوزيع الصدمة السعرية على فترة أطول. فبدلًا من دفع مبلغ كبير مرة واحدة، يتم تقسيمه إلى التزامات شهرية أقل نسبيًا، بما يسمح بالحصول على السلعة في الوقت الحالي.
لكن هذه المعادلة تحمل وجهين؛ فمن ناحية، يخفف التقسيط الحاجة إلى توفير مبلغ كبير مقدمًا، ومن ناحية أخرى، قد ينقل الضغط المالي من الحاضر إلى المستقبل، ويجعل جزءًا من الدخل المقبل محجوزًا قبل أن يصل إلى صاحبه.
وإذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف المعيشة أو تغير ظروف العمل أو انخفاض الدخل، فقد تتحول الأقساط التي بدت مناسبة وقت الشراء إلى التزامات يصعب الوفاء بها بعد عدة أشهر.
لماذا يفضّل البعض دفع ألف جنيه شهريًا بدلًا من دفع 20 ألف جنيه نقدًا؟
لفهم سلوك المستهلك، يمكن النظر إلى مثال افتراضي بسيط: شخص يريد شراء سلعة بسعر نقدي يبلغ 20 ألف جنيه، لكنه لا يمتلك المبلغ كاملًا، أو يمتلكه ويفضل الاحتفاظ بجزء من السيولة لمواجهة مصروفات أخرى. تعرض عليه جهة تمويل دفع ألف جنيه شهريًا لمدة 24 شهرًا.
ظاهريًا، يبدو العرض مريحًا؛ فالمبلغ الشهري أقل من تكلفة السلعة بكثير، ولا يتطلب التخلي عن مبلغ كبير دفعة واحدة. لكن إجمالي الأقساط في هذا المثال يبلغ 24 ألف جنيه، أي بزيادة 4 آلاف جنيه على السعر النقدي، قبل احتساب أي رسوم إضافية غير مدرجة في العرض الافتراضي.
وهنا تظهر أهمية المقارنة بين ثلاثة عناصر: السعر النقدي، وإجمالي المبلغ المستحق بالتقسيط، وتأثير القسط على ميزانية الأسرة طوال فترة السداد.
وقد يكون التقسيط قرارًا منطقيًا إذا كانت السلعة ضرورية، وكانت تكلفة التمويل مناسبة، وكان الاحتفاظ بالسيولة يحقق للأسرة منفعة حقيقية، وكانت الأقساط تتناسب مع دخلها والتزاماتها الأخرى. لكنه قد يكون قرارًا غير اقتصادي إذا كانت السلعة غير ضرورية، أو كانت الزيادة في التكلفة كبيرة، أو كان المشتري يلتزم بأقساط متعددة دون حساب إجمالي ما يخرج من دخله كل شهر.
والأهم أن قيمة القسط لا ينبغي أن تُقاس بمقدارها المجرد، وإنما بقدرة الأسرة على تحمله. فألف جنيه قد يكون مبلغًا محدودًا بالنسبة إلى أسرة، لكنه يمثل عبئًا كبيرًا بالنسبة إلى أسرة أخرى، وفقًا لمستوى الدخل وتكاليف السكن وعدد أفراد الأسرة والالتزامات القائمة.
لذلك لا يمكن اختزال القرار في مقولة إن التقسيط أفضل دائمًا من الدفع النقدي، أو إن الشراء النقدي هو الخيار الأفضل في جميع الظروف. القرار الصحيح هو الذي يوازن بين الحاجة الفعلية، والتكلفة الإجمالية، والسيولة المتاحة، ومخاطر الالتزام المستقبلي.
هل أصبح التقسيط ضرورة اقتصادية أم سلوكًا استهلاكيًا جديدًا؟
ربما تكون الإجابة الأكثر واقعية أن الظاهرة تجمع بين الأمرين، لكن بنسب مختلفة من شخص إلى آخر.
فثمة أسر تلجأ إلى التمويل الاستهلاكي لتدبير احتياجات أساسية، مثل الثلاجة أو الغسالة أو جهاز ضروري للعمل أو الدراسة، وتكون غير قادرة على دفع ثمنه كاملًا في لحظة واحدة. وفي هذه الحالات، قد يؤدي التمويل دورًا اجتماعيًا واقتصاديًا مفيدًا، لأنه يمنح الأسرة وسيلة لتوزيع الإنفاق بدلًا من استنزاف مدخراتها بالكامل.
وفي المقابل، توجد حالات قد يتحول فيها التقسيط إلى وسيلة لتوسيع الاستهلاك إلى ما يتجاوز القدرة المالية الفعلية، خصوصًا عندما تتعدد العروض ويصبح الحصول على الموافقة التمويلية سريعًا، بينما لا يحظى قرار الالتزام طويل الأجل بالقدر نفسه من التفكير.
وتتسع المشكلة عندما يُستخدم التمويل لشراء منتجات يمكن تأجيلها، أو لمجاراة أنماط استهلاك اجتماعية، أو لمجرد الاستفادة من عرض ترويجي ينتهي في وقت محدد. ففي هذه الحالات، قد لا يكون قرار الشراء استجابة لحاجة حقيقية، وإنما استجابة للشعور بأن الفرصة متاحة وأن القسط الشهري يمكن تحمله.
وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات دورًا في تشكيل التوقعات الاستهلاكية، إذ تعرض باستمرار منتجات جديدة وتجارب معيشية مرتفعة التكلفة، وتقدم أحيانًا القسط باعتباره المدخل الأساسي للحصول على السلعة، دون أن يكون التركيز بالقدر نفسه على التكلفة الكاملة أو أثر الالتزام على الميزانية.
لكن من غير العادل تفسير الظاهرة باعتبارها دليلًا على ضعف الوعي المالي لدى المواطنين وحدهم؛ فالسلوك الاستهلاكي يتشكل أيضًا تحت ضغط البيئة الاقتصادية، ومستوى الدخل، وطبيعة التسويق، وسهولة الوصول إلى التمويل، ومدى وضوح الشروط المعروضة على المستهلك.
والأدق أن نفرّق بين من يستخدم التقسيط لتلبية حاجة مدروسة، ومن يستخدمه لتعويض فجوة مستمرة بين دخله ونمط إنفاقه، ومن يلجأ إليه لسداد التزامات سابقة أو لتغطية مصروفات لم يعد دخله يكفيها. فكل حالة لها أسبابها ومخاطرها، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة واحدة متطابقة.
الوجه الآخر للظاهرة.. عندما تتراكم الأقساط ويتحول التمويل إلى عبء
المشكلة الأكثر حساسية تبدأ عندما تتعدد الالتزامات الشهرية دون وجود تصور واضح لإجمالي المديونية. فقد يبدأ المستهلك بقسط واحد لشراء هاتف، ثم يضيف قسطًا لجهاز منزلي، ثم يشتري سلعة أخرى عبر منصة مختلفة، بينما تظل كل جهة تنظر إلى العملية التي تمولها بصورة منفصلة.
ومع مرور الوقت، قد يكتشف العميل أن مجموع الأقساط أصبح يستحوذ على جزء كبير من دخله، وأن ما يتبقى له بعد السداد لا يكفي بصورة مريحة لتغطية نفقاته الأساسية.
وتزداد المخاطر عندما يعتمد المستهلك على دخل متغير أو غير منتظم، أو لا يمتلك احتياطيًا ماليًا للطوارئ، أو يتعرض لظرف مفاجئ مثل فقدان العمل أو انخفاض الدخل أو زيادة المصروفات العلاجية والتعليمية.
في هذه اللحظة، لا تكون المشكلة بالضرورة في قيمة القسط الواحد، وإنما في تراكم الالتزامات وتزامن مواعيد استحقاقها. وقد يؤدي التأخر في السداد إلى تحمل غرامات أو تكاليف إضافية وفقًا للعقد، فضلًا عن احتمال التأثير في السجل الائتماني بحسب طبيعة المديونية وآليات الإبلاغ المعمول بها.
كما قد يجد المستهلك نفسه مضطرًا إلى الاقتراض من جهة أخرى لتغطية التزام سابق، فتدخل الأسرة في دائرة من التمويل المتتابع، يصبح فيها جزء من الدخل مخصصًا لسداد قرارات شراء اتخذت في الماضي، بدلًا من تلبية الاحتياجات الحالية.
ومع ذلك، يجب التأكيد على أن نمو التمويل الاستهلاكي لا يعني تلقائيًا ارتفاع التعثر، ولا توجد في الأرقام المشار إليها وحدها أدلة كافية للحكم على حجم التعثر الحالي لدى شركات التمويل الاستهلاكي أو تحديد أسبابه. وهذه نقطة تستدعي بيانات رقابية أكثر تفصيلًا عن التأخر في السداد، ونسب التعثر، وإعادة الجدولة، وتوزيع العملاء بحسب شرائح الدخل، وعدد الالتزامات القائمة لدى العميل الواحد.
فالمطلوب ليس إطلاق أحكام عامة على السوق، وإنما قياس المخاطر بدقة، وتحديد ما إذا كان نمو التمويل يواكبه نمو مماثل في القدرة على السداد، أم أن هناك شرائح من العملاء أصبحت أكثر عرضة للضغط المالي.
شركات التمويل الاستهلاكي.. بين توسيع السوق وإدارة مخاطر المديونية
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إنكار الدور الذي تلعبه شركات التمويل الاستهلاكي في توسيع فرص الوصول إلى السلع والخدمات، وتنشيط التجارة، وتطوير حلول دفع تناسب شرائح مختلفة من المستهلكين.
فهذا النشاط يربط بين المستهلك والتاجر ومقدم التمويل، ويمنح العميل فرصة لتوزيع تكلفة الشراء على فترة زمنية، بينما يحصل التاجر على فرصة للوصول إلى عملاء ربما لم يكونوا قادرين على إتمام الشراء نقدًا.
لكن استمرار هذا الدور يتطلب أن يكون نمو السوق قائمًا على قدرة حقيقية على السداد، وليس على مجرد زيادة عدد عمليات التمويل. فالشركة التي تمنح التمويل لعميل غير قادر على تحمل التزاماته لا تحقق بالضرورة نموًا مستدامًا، حتى لو ارتفعت مبيعاتها في الأجل القصير.
وفي المقابل، فإن التشدد المبالغ فيه في إتاحة التمويل قد يحرم عملاء قادرين على السداد من خدمة مفيدة، ويحد من المنافسة والابتكار في السوق.
ومن هنا تظهر أهمية التوازن الرقابي بين حماية المستهلك والحفاظ على كفاءة النشاط؛ من خلال تقييم القدرة على السداد، والإفصاح الواضح عن التكلفة الإجمالية، وضبط أساليب التسويق، وتطوير آليات التعامل مع العملاء المتعثرين، وضمان ألا تتحول سرعة الحصول على التمويل إلى بديل عن الدراسة الائتمانية السليمة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل اتساع سوق التمويل غير المصرفي وتعدد مقدمي الخدمات، بما يجعل التنسيق بين الجهات العاملة وتبادل المعلومات الائتمانية وفقًا للقواعد القانونية والضوابط المنظمة عنصرًا أساسيًا في الحد من تراكم الالتزامات غير المحسوبة.
ماذا نحتاج من الدولة والجهات الرقابية؟
إن التعامل مع ظاهرة التقسيط لا ينبغي أن يقوم على منع المواطنين من التمويل، أو تصوير شركات التمويل باعتبارها سببًا منفردًا للمشكلة، وإنما على بناء منظومة أكثر توازنًا تضمن إتاحة التمويل المسؤول، وتمنع الممارسات التي قد تدفع المستهلك إلى التزامات لا تتناسب مع قدرته المالية.
وفي هذا السياق، يمكن طرح مجموعة من المسارات التي تستحق الدراسة من جانب الحكومة والهيئة العامة للرقابة المالية والجهات المعنية بحماية المستهلك.
أول هذه المسارات هو تعزيز الإفصاح عن التكلفة الإجمالية للشراء بالتقسيط. فمن الضروري أن يعرف العميل، قبل إتمام التعاقد، السعر النقدي للسلعة، وإجمالي ما سيدفعه بالتقسيط، وقيمة أي رسوم أو مصروفات إضافية، والغرامات المترتبة على التأخر، وشروط السداد المبكر إن وجدت. وينبغي أن تكون هذه المعلومات واضحة وسهلة المقارنة، بدلًا من الاكتفاء بإبراز قيمة القسط الشهري في الإعلان.
المسار الثاني يتمثل في تطوير تقييم القدرة على السداد، بحيث لا يعتمد قرار التمويل على استيفاء المستندات أو قبول العميل للقسط فحسب، بل يراعي دخله والتزاماته القائمة بقدر ما تسمح به البيانات المتاحة والضوابط القانونية. كما يستحق الأمر دراسة آليات أكثر فاعلية لرصد تراكم الالتزامات عبر الجهات المختلفة، مع حماية البيانات الشخصية والائتمانية، وعدم تحويل التقييم إلى أداة للإقصاء غير المبرر للعملاء.
أما المسار الثالث، فيتعلق بتعزيز الشفافية في الإعلانات والعروض الترويجية. فالإعلان عن قسط شهري منخفض يجب ألا يحجب التكلفة النهائية أو مدة الالتزام، كما ينبغي أن تكون الشروط الجوهرية للعروض واضحة قبل اتخاذ قرار الشراء. ويشمل ذلك تعزيز الرقابة على الممارسات التسويقية التي قد تستغل ضغوط المستهلك أو تدفعه إلى قرار متسرع.
ويأتي المسار الرابع في صورة تطوير آليات التعامل مع العملاء الذين يواجهون تعثرًا حقيقيًا بسبب ظروف طارئة. فمن المفيد بحث قواعد واضحة وعادلة لإعادة الجدولة في الحالات التي تستدعي ذلك، مع الحفاظ على حقوق جهات التمويل، ومنع إساءة استخدام التسهيلات، وإتاحة قنوات فعالة لتلقي الشكاوى وتسوية النزاعات.
والمسار الخامس هو نشر بيانات دورية أكثر تفصيلًا عن السوق، تشمل قيمة التمويلات وعدد المستفيدين ومتوسط قيمة الالتزام ومدته ومؤشرات التأخر والتعثر، بالقدر الذي تسمح به قواعد الإفصاح وحماية البيانات. فهذه المؤشرات تساعد صانع القرار على التمييز بين توسع صحي في استخدام التمويل وبين تراكم مخاطر تستدعي التدخل.
ولا يقل عن ذلك أهمية التثقيف المالي العملي، بحيث يتعلم المستهلك كيف يحسب إجمالي التكلفة، ويقارن بين عروض التمويل، ويحدد نسبة الأقساط إلى دخله، ويميز بين الاحتياجات الأساسية والمشتريات القابلة للتأجيل.
هل يمكن أن يتحول التقسيط إلى أداة للتمكين الاقتصادي بدلًا من صناعة الديون؟
الإجابة تعتمد على كيفية إدارة المنظومة بأكملها. فالتمويل في جوهره ليس مشكلة، وإنما تتحدد فائدته الاقتصادية والاجتماعية وفقًا للغرض الذي يستخدم من أجله، وتكلفته، ومدته، وقدرة المستفيد على السداد.
عندما يساعد التقسيط أسرة على شراء جهاز ضروري دون استنزاف مدخراتها بالكامل، أو يمنح شخصًا فرصة للحصول على أداة يحتاج إليها في عمله، فإنه قد يحقق منفعة حقيقية. أما عندما يصبح وسيلة دائمة لسد فجوة بين دخل لا يكفي ونفقات تتجاوز الإمكانات، فإنه قد يؤجل المشكلة دون أن يحلها.
ولهذا فإن التوسع في التمويل الاستهلاكي لا يمكن أن يكون بديلًا عن السياسات التي تستهدف تحسين الدخول الحقيقية، وزيادة فرص العمل والإنتاج، وتعزيز المنافسة في الأسواق، وتخفيف الأعباء عن الأسر الأكثر تأثرًا بارتفاع تكلفة المعيشة.
فالتمويل يستطيع توزيع تكلفة السلعة على فترة زمنية، لكنه لا يخلق دخلًا إضافيًا للأسرة بصورة تلقائية، ولا يعالج وحده الفجوة بين نمو الاحتياجات ومحدودية الموارد. وإذا أصبح جزء متزايد من دخل المواطن مخصصًا لسداد أقساط استهلاكية سابقة، فقد تتراجع قدرته على الادخار أو مواجهة الطوارئ أو الإنفاق على احتياجات أخرى.
ومن هنا، فإن نجاح سوق التمويل الاستهلاكي لا ينبغي أن يقاس بحجم الأموال التي تم ضخها وحده، بل بمدى قدرته على توسيع الوصول إلى التمويل دون الإضرار بالاستقرار المالي للأسر، وبقدرته على دعم النشاط الاقتصادي دون خلق التزامات يصعب استمرارها.
الرسالة الأهم.. المواطن ليس وحده المسؤول عن قراراته المالية
حين يواجه المواطن ضغوطًا معيشية متزايدة، ويجد أمامه سلعة يحتاج إليها وعرضًا يتيح له الحصول عليها مقابل قسط شهري محدود، فإن قرار الشراء لا ينشأ دائمًا عن رغبة في الاستهلاك الزائد؛ فقد يكون محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي لا يسمح بتدبير كل الاحتياجات نقدًا.
لكن هذا لا يعني أيضًا أن كل قرار بالتقسيط صحيح، أو أن الظروف الاقتصادية تعفي المستهلك من مسؤولية حساب التزاماته. فالمعادلة تحتاج إلى وعي من جانب العميل، وشفافية من جانب مقدم التمويل، ورقابة فعالة من جانب الدولة، وسياسات اقتصادية تعمل على تحسين القدرة الشرائية بصورة مستدامة.
والأهم أن حماية المستهلك لا تتحقق بحرمانه من خيارات التمويل، وإنما بمنحه القدرة على اتخاذ قرار واعٍ، ومعرفة التكلفة الحقيقية، وفهم المخاطر، والوصول إلى آليات عادلة للتعامل مع التعثر.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول سهولة التمويل إلى وسيلة تجعل الحصول على السلعة أيسر من فهم الالتزام المترتب عليها. فكلما أصبحت إجراءات الشراء أسرع، ازدادت الحاجة إلى معلومات أوضح، وتقييم أكثر دقة للقدرة على السداد، وتوعية مالية تسبق التعاقد ولا تأتي بعد وقوع المشكلة.
من «ما لا يُقسَّط لا يُشترى» إلى «ما لا أستطيع تحمّل تكلفته لا ألتزم به»
قد تكون العبارة الأكثر أهمية التي ينبغي أن تحل محل ثقافة «ما لا يُقسَّط لا يُشترى» هي أن قرار الشراء لا يتحدد بقيمة القسط وحدها، وإنما بالقدرة على تحمل التكلفة الكاملة دون الإخلال بالاحتياجات الأساسية أو تعريض الاستقرار المالي للأسرة للخطر.
فالمجتمع لا يحتاج إلى شيطنة التقسيط، كما لا يحتاج إلى تحويله إلى أسلوب شراء افتراضي لكل سلعة. ما يحتاج إليه هو ثقافة مالية تجعل المستهلك أكثر قدرة على التمييز بين التمويل الذي يخدم احتياجاته والتمويل الذي يوسع التزاماته بلا ضرورة، وتدفع الشركات إلى المنافسة على أساس وضوح الشروط وجودة الخدمة، وتمنح الجهات الرقابية الأدوات اللازمة لحماية السوق من الممارسات غير المسؤولة.
أما الدولة، فمسؤوليتها لا تقف عند تنظيم الشركات أو مراقبة العقود، بل تمتد إلى معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل بعض الأسر تعتمد بصورة متزايدة على التمويل لتدبير احتياجاتها، من خلال دعم نمو الدخول الحقيقية، وتعزيز الإنتاج والمنافسة، وتحسين كفاءة الأسواق، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا للمستهلك والمنتج على حد سواء.
في النهاية، القضية ليست في أن يشتري المواطن بالتقسيط أو نقدًا، وإنما في أن يمتلك حرية الاختيار دون أن يتحول قرار الشراء إلى عبء طويل الأجل. فالتقسيط يمكن أن يكون أداة مفيدة لإدارة السيولة، لكنه لا ينبغي أن يصبح تعويضًا دائمًا عن عدم كفاية الدخل، ولا أن تتحول سهولة الحصول على التمويل إلى باب مفتوح أمام التزامات تتجاوز قدرة الأسرة على الوفاء بها.
وبين حق المواطن في تلبية احتياجاته، وحق شركات التمويل في ممارسة نشاطها، ومسؤولية الدولة عن حماية الاستقرار المالي والاجتماعي، تبرز ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية اقتصادية ومجتمعية تستحق القياس والنقاش والتدخل المتوازن، قبل أن تتحول ثقافة القسط من وسيلة لتيسير الحياة إلى التزام يستهلك جزءًا متزايدًا منها.