عاجل

على مدار الأسبوع انشغلت مصر فيه بسؤال القيم وبالفجوة المقلقة بين ما نُؤمن به وما نمارسه في يومنا، جاءت خاتمة الأسبوع بجوابٍ دامٍ من "الكرك" بالأردن يحمل في طياته فجيعة ثقيلة، وعملًا إرهابيًّا غاشمًا، وذلك بأن أقدام موتورون بإطلاق الرصاص على مشيعين في كنيسة "حمود" يودعون ميتًا لهم، فيسقط منهم الجريح والقتيل. 
حين يُستهدف الناس في لحظات الوداع والألم وانكسار القلوب حزنًا على مَن رحل، وقتها تسقط أي ذريعة للجدل أو الخلاف، فلا يبقى إلا الحزن العميق والإدانة والتضامن مع الجميع؛ لأن جريمة استهداف الموتى والمشيعين تتجاوز حدود الجريمة الجنائية إلى جريمة تخالف مقتضيات الإنسانية التي تُقرها الفطر السليمة قبل أن تُقرها الشرائع السماوية والأعراف البشرية.
ولعل إدانة الدول والشعوب والمؤسسات الدينية في العالم للحدث تثير تساؤلًا مهمًّا جديرًا بالتوقف أمامه وهو، كيف نبني مجتمعًا يتجاوز كافة أشكال الإدانة اللفظية بحيث يحول هذا الإجماع الوجداني الذي يرفض ويلفظ تلك الجرائم إلى ممارسة سلوكية وثقافية يومية، تقطع الطرق على أفكار الكراهية بل وتقتلها في مهدها قبل أن تتحول إلى رصاصات قاتلة؟
ربما قادت المصادفة أن تتصل حادثة كنيسة الكرك اليوم اتصالًا وثيقًا بجهود المعالجات الفكرية التي نُوقشت في "منتدى مصر 2026" بجلسة الثقافة ومنظومة القيم الاجتماعية، التي ألقت الضوء على الإشكالية التي تقابلنا اليوم في عالمنا العربي وهي: الفجوة بين القيم النظرية التي نُعلنها والسلوك الفعلي الذي نمارسه.
ولا شك أننا جميعًا نحفظ بل ونردد في مناسباتنا المختلفة قيم التسامح والرحمة وحرمة الدم، والخطر يكمن حين تظل هذه القيم حبيسة الخطب والمناهج الصامتة والبيانات الرسمية دون امتلاك أدوات عبورها إلى الشارع والبيت والساحة الرقمية.
لقد حاول منتدى مصر أن يقدم معالجة لهذه الفجوة الحرجة بين المؤسسات بطرح إطار متكامل، لا يجعل المواجهة قاصرة على مؤسسة بعينها، بل ألقى بالمسئولية على كل مؤسسة، شريطة أن يتكامل الجميع في نهاية المطاف، فالأسرة باعتبارها النواة الأولى عليها تشكيل الوجدان وغرس مفاهيم القدوة والسلوك القيمي، والمؤسسة الدينية والتعليمية لا بد من اضطلاعها بخطاب منضبط يخلو من أي مظهر من مظاهر التعصب والكراهية، والمؤسسة الثقافية والإعلامية لا بد أن تُعنى بإنتاج محتوى فكري وبصري يرسخ أدبيات قبول الآخر وقبول الاختلاف ومواجهة كافة أشكال الكراهية والتنمر. 
إن الشريعة الإسلامية عندما أكدت على حرمة النفس البشرية لم تستثني دينًا أو جنسًا أو لونًا، بل أخضعت الجميع للمساواة، وسدَّت أيَّ باب للاجتهاد في هذا الأمر عبر نصوص قطعية لا تنال منها اجتهادات فردية منحرفة. لذا فقد قال الله عز وجل: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}، فالتعبير بقوله فكأنما قتل الناس جميعًا، يبين أن العدوان على نفس بشرية واحدة يُعد عدوانًا على مبدأ الحياة ذاته، وعلى الإنسانية كلها، وعلى العصمة التي جعلها الله للأرواح.
كما لا ننسى ذلك الموقف العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم عندما مرت به جنازة فقام لها، فقيل له كما روى الإمام البخاري إنها جنازة يهودي! فقال صلى الله عليه وسلم: "أليست نفسًا؟"؛ فسؤاله صلى الله عليه وسلم المعجز ألست نفسًا؟ قد قعَّد لقاعدة إنسانية عظيمة مفادها أن الإنسان عند موته ورحيله مستحقٌّ للهيبة والاحترام والوقار لمجرد أنه إنسان خلقه الله. وإذا كان هذا هو الموقف النبوي من جنازة شخص مختلف في الدين فكيف يُقبل أو يُستساغ عقلاً ودينًا أن يُطلق الرصاص على مشيعين لفقيد لهم آمنين في كنيستهم ووطنهم؟!
إن الشرع الشريف لم يقف أمام هذا الجُرم العظيم برفضه بكافة أشكاله، بل وضع الكثير من التشريعات الصارمة التي تُجرمه، وتضمن حماية المختلف في الدين وأمانه على نفسه وأهله وماله، فالنبي صلى الله عليه وسلم توعَّد هذه الفئة كما جاء في البخاري بقوله: "من قتل مُعَاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا". كما أن القرآن الكريم قد وضع معيارًا لهذه العلاقة في المجتمع يقوم على أمرين، الأول البر وهو أعلى مراتب الإحسان، والأمر الثاني وهو القسط الذي يعني العدل الناجز، في قوله تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
وتأسيسًا على ما سبق، فإنني أرى أن "سؤال بناء الإنسان" لم يعد مجرد ترف ثقافي أو وعظ أخلاقي، بل أصبح سؤالًا أمنيًّا بامتياز، والأمن الذي أقصده هنا ليس الأمن بمفهومه العسكري أو الشرطي، فالأمن الذي أقصده هنا هو ذلك الأمن الذي لا تصنعه الإجراءات الأمنية وحدها، بل يصنعه معها المعنى، الذي يملأ حياة الناس ويُشعرهم بالجدوى والانتماء.
وقد كتبتُ قبل أيام عن مأساة الإنسان حين يموت حلمه وهو لا يزال على قيد الحياة، وأضيف اليوم أن المجتمعات التي تترك شبابها بلا غاية وطنية، ولا مشروع تنموي، ولا قدوة حقيقية تُحتذى، كما أكد على ذلك فخامة الرئيس السيسي في منتدى مصر، فهي إنما تُهيئ فراغًا روحيًّا ونفسيًّا خطيرًا، لا يملؤه إلا الإرهابيون والمنحرفون ممن يُحسنون تسويق المعنى الزائف للشهادة أو التغيير عبر العنف.
هناك نظرية في علم النفس الاجتماعي تدور حول البحث عن الأهمية الشخصية، ترى أن شعور الشخص بالمهانة أو التهميش أو فقدان القيمة الذاتية كلها عوامل تُعد محركًا أساسيًّا للاستقطاب والتطرف، حيث يُستغل هذا التطرف النفسي لدى الشباب ليمنحهم شعورًا زائفًا بالعظمة والأهمية عبر تبني العنف والرصاص. هذا التفسير النفسي والعلمي يعد إطارًا كليًّا لا يُسقط المسئولية الأخلاقية والقانونية عن أي مجرم، فمطلق الرصاص على هؤلاء المشيعين بالأردن يتحمل جناية كاملة أمام العدالة وأمام الله تعالى، لكن من الضروري فهم جذور هذه الظاهرة كي نحمي المجتمعات من إعادة إنتاج مثل هذه الجرائم. 
لا شك أن العصر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي قد زادت الأمر تحديًا وتعقيدًا، ولقد ناقش "منتدى مصر 2026" كيف أصبحت منصات التواصل الاجتماعي صانعةً للوعي وخاطفةً له في آنٍ واحد، ففي هذه الساحات الافتراضية تُقاس الأفكار بسرعة انتشارها لا بجودتها، وعندها تتحول الكراهية والخطابات العنصرية إلى "محتوى جذاب" ينتشر كالنار في الهشيم، ويتم اختزال "الآخر" المختلف في صورة نمطية أو شعار عدائي.
لذلك فإن مواجهة هذا التهديد الرقمي لا يكون بالحجب أو المنع، بل مواجهة الفكر بالفكر، عبر خطاب قيمي حاضر ومؤثر على هذه المنصات نفسها، يتحدث بلغة هؤلاء الشباب، وبأدواتهم العصرية، مقدمًا قدوة حية لا تقف عند النصائح والمواعظ والخطب.
لذا أطرح هنا معادلة رمزية وفكرية وهي: "الفسيلة في مواجهة الرصاصة"، ففي الحديث النبوي الذي مثَّل ذروة فلسفة العمران والإيجابية في تاريخ البشر، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، ففي قيام الساعة معنى نهاية الكون وموت الزرع والضرع وتوقف نتائج أعمال الدنيا، ورغم ذلك يأتي الأمر النبوي بغرس فسيلة، هذا الأمر يعلمنا فعل البناء والتنمية، وهي قيم مقدسة في ذاتها، بغض النظر أدرك الإنسان ثمرتها أم لم يدركها، لكن الانشغال بالبناء والتنمية والعمران يحصن النفس والروح والعقل من أن تنشغل بالخراب والقتل والهدم والدمار.
فالرصاصة أداة فناء تعبر عن العجز النفسي والخواء الفكري واليأس الذي ينشر الموت، أما الفسيلة فهي رمز الأمل والبناء والعمران والرحمة والاستمرارية التي تمنح للحياة معناها، وبالتالي من امتلأت يداه بكل معاني الغرس والبناء لا يتسع فيها مكان لحمل السلاح وسفك الدماء.
إن العداء والافتراء على البشر والقتل كلها تقوض العمران وتتعارض مع مقاصد الشريعة التي تحفظ على الإنسان دينه ونفسه وعقله ونسله وماله، كما أنها تضرب السلم الاجتماعي الذي سعى الإسلام لترسيخه، فالحضارة لا تُبنى بالأفكار الميتة أو المنتحرة كما قال مالك بن نبي، بل تتأسس حين يملك المجتمع فكرة دينية ومبدأ أخلاقيًّا يوجه الطاقات الإنسانية نحو البناء وغرس الفسائل بدلًا من الهدم والتدمير، إذ العنف نتيجة طبيعية لإفلاس الفكرة واختفاء القدوة.
والاختبار الحقيقي للقيم لا يكون في وقت الهدوء بل يأتي صريحًا عند اللحظات الفارقة كـ"لحظة الكرك"، لذلك فنحن أمام خيارين لا ثالث لهما؛ أولهما أن تمر حادثة كنيسة الكرك وما يشبهها كما تمر الأخبار العابرة، إدانة يعقبها استنكار ثم عودة للاسترخاء والتعايش وخطاب يضمر الكراهية وهذا لا نرجوه. وثانيهما أن تتضمن ما دعا إليه المشاركون في منتدى مصر بأن تتحول هذه الإدانة إلى خطة عمل والتزام، بتربية الأبناء على التسامح وقبول الآخر، وقياس أثر ما نكتبه وننشره عن سلوك الناس وعلاقاتهم اليومية، وأن نجعل حماية أرواح الناس وحرمة دمائهم وصيانة دور عبادتهم مفاهيم أصيلة عندما نُعرِّف ذواتنا وما ينبغي أن نكون عليه.
إن كل أسرة تُربي أبناءها على احترام الآخر، وكل منبر يجعل من حرمة الدم القيمةً الأولى، وكل معلم يفتح أمام تلاميذه أفقًا للإبداع والعمران يتجاوز أنانيتهم الضيقة؛ إنما يضع بحق فسيلة مباركة في مواجهة رصاصة غادرة.

تم نسخ الرابط