عاجل

قد تبكينا صورة واحدة، وتدفعنا قصة قصيرة إلى التفاعل والمشاركة، بينما تمر أمام أعيننا عشرات القصص التي تحمل القدر نفسه من الألم دون أن نتوقف عندها. هنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: لماذا نمنح بعض الحكايات كل هذا التعاطف، بينما نتجاهل حكايات أخرى، رغم أن أصحابها يواجهون معاناة لا تقل قسوة؟

لم يعد التعاطف في عصر المنصات الرقمية مرتبطًا فقط بحجم المعاناة، بل أصبح يتأثر بالطريقة التي تصل بها إلينا، وقدرتها على جذب انتباهنا وسط تدفق لا يتوقف من الأخبار والصور والمقاطع المصورة. فنحن لا نرى العالم كاملًا، وإنما نشاهد جزءًا منه يتشكل وفق اهتماماتنا وطبيعة المحتوى الذي يظهر أمامنا.

المشكلة ليست في أن نتأثر بقصة أكثر من غيرها، فهذه طبيعة إنسانية، وإنما في أن تتحول استجابتنا العاطفية إلى حالة انتقائية تحددها الصورة الأكثر تأثيرًا أو الحكاية الأكثر تداولًا. عندها يصبح الألم الذي نراه أكثر حضورًا في وعينا من الألم الذي لا يصل إلينا، حتى لو كانت المعاناة واحدة.

عندما نقرأ عن آلاف الأشخاص الذين يواجهون ظروفًا قاسية، قد نتعامل مع الخبر باعتباره رقمًا يصعب استيعابه، لكن عندما نرى شخصًا يروي تجربته وتفاصيل معاناته، تصبح المأساة أقرب إلى مشاعرنا. يتحول الرقم إلى إنسان، وتتحول المعلومة إلى حكاية نستطيع تخيلها والتفاعل معها. لكن ماذا عن الذين لم تتح لهم الفرصة لرواية حكاياتهم؟ وماذا عن المعاناة التي لم تصل صورها إلى الشاشات؟ هل تصبح أقل أهمية لأنها لم تحظَ بالانتشار، أم أن المشكلة تكمن في الطريقة التي أصبحنا نرى بها العالم؟

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد التعاطف»، حيث تتنافس القصص الإنسانية على مساحة محدودة من انتباه الجمهور، وتكتسب بعض الحكايات قدرة أكبر على الانتشار والتأثير، بينما تتراجع أخرى إلى الهامش. فالمحتوى الذي يثير الصدمة أو الحزن قد يجذب تفاعلًا واسعًا، وتزداد فرص وصوله إلى جمهور أكبر، لتتداخل المشاعر الإنسانية مع منطق المنصات الرقمية.

لا تكمن المشكلة في انتشار قصة مؤثرة، بل في أن نخلط بين انتشارها وحجم أهميتها، أو نعتقد أن ما يتصدر شاشاتنا هو كل ما يستحق اهتمامنا. فالتريند قد يسلط الضوء على قضية إنسانية، لكنه لا يضمن استمرار الاهتمام بها، كما أن اختفاء القصة من واجهة المنصات لا يعني انتهاء المعاناة.

وتزداد المفارقة حين يؤدي التعرض المستمر للمآسي إلى الشعور بالإرهاق أو العجز. فمع تكرار مشاهد الحروب والكوارث والفقر، قد يصبح الألم مألوفًا، ويفقد الخبر قدرته على استدعاء الانتباه. ليس بالضرورة لأن الجمهور فقد إنسانيته، ولكن لأن كثافة المحتوى قد تجعل استيعاب كل هذه المعاناة أمرًا صعبًا.

وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام والمنصات الرقمية؛ فطريقة عرض القصة، واختيار الصور، وترتيب الأولويات، وتقديم السياق الذي يفسر الحدث، كلها عوامل تؤثر في تشكيل وعي الجمهور. وعندما تختزل قضية معقدة في مشهد صادم، قد نتأثر بالمشهد وننسى الأسئلة الأهم: ما أسباب هذه المعاناة؟ وكيف يمكن التعامل معها؟

لا يمثل التفاعل الرقمي مقياسًا دقيقًا للتعاطف الحقيقي؛ فعدد المشاهدات والتعليقات لا يكشف بالضرورة عمق المشاعر أو استمرار التضامن. قد يشارك شخص قصة مؤثرة ثم ينتقل إلى محتوى آخر، بينما يقدم آخر المساعدة بعيدًا عن الأضواء. لذلك لا يمكن اختزال الرحمة الإنسانية في أرقام التفاعل.

ولا نستطيع أن نتأثر بكل شيء بالدرجة نفسها، لكننا نستطيع أن نكون أكثر وعيًا بما يصل إلينا، وأكثر انتباهًا لما يغيب عن الصورة. فالقصة التي لم تحقق انتشارًا واسعًا لا تقل قيمة عن قصة تصدرت المشهد، وحجم المأساة لا يُقاس بعدد التعليقات التي حصدتها.

ربما لا تكمن المشكلة في أننا نتأثر بقصة ونتجاهل آلافًا مثلها، بقدر ما تكمن في أننا بدأنا نترك للشاشة مهمة تحديد ما يستحق أن نشعر به. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل ما زلنا نختار ما يستحق اهتمامنا، أم أن ما يظهر أمامنا هو الذي يختار بالنيابة عنا؟

في النهاية، لا يحتاج العالم إلى مزيد من الصور المؤثرة بقدر ما يحتاج إلى وعي لا يتوقف عند الصورة، وإعلام لا يختزل المعاناة في مشهد، وجمهور يدرك أن وراء كل رقم إنسانًا، ووراء كل حكاية لم تصل إلينا حياة كاملة تستحق أن تُرى وتُفهم. فالتعاطف الحقيقي لا يبدأ فقط عندما نرى الألم، بل عندما ندرك أن غيابه عن شاشاتنا لا يعني غيابه عن حياة الآخرين.

تم نسخ الرابط